← الأدلة

المحكم والمتشابه: قراءة في 3:7

المحكم والمتشابه: قراءة في 3:7

بإيجاز

في 3:7 يقسّم القرآن آياته قسمين: محكمات هنّ أمّ الكتاب، وأُخَر متشابهات. ولا تصف الآية فئةً بعينها بل تصف موقفًا: زيغٌ في القلب يسبق اتّباع المتشابه، ثم ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلٍ يوافق الهوى. أمّا النصف الثاني من الآية فيُقرأ على وجهين تبعًا لموضع الوقف: هل ينتهي الكلام عند «إلا الله» أم يُعطف عليه «والراسخون في العلم»؟ يعرض هذا المقال القراءتين باسميهما من غير ترجيح، ويضع بجانبهما 11:1 و39:23 حيث يوصف الكتاب كلّه بالإحكام مرّة وبالتشابه مرّة.

الآيات المذكورة

  • 3:7 — قسمة المحكم والمتشابه، وتشخيص الموقف، وجملة التأويل.
  • 3:8 — الآية التالية: «لا تُزغ قلوبنا»، من جذر «الزيغ» نفسه الوارد في 3:7.
  • 11:1 — وصف الكتاب كلّه بأن آياته أُحكمت.
  • 39:23 — وصف الكتاب كلّه بأنه متشابه.
  • 4:162 — الموضع الآخر الوحيد لعبارة «الراسخون في العلم».
  • 7:53 — التأويل بمعنى وقوع ما أُخبر به.
  • 10:39 — تكذيب ما لم يُحَط بعلمه ولمّا يأتِ تأويله.
  • 17:35 — التأويل بمعنى العاقبة، في سياق الكيل والوزن.
  • 4:82 — معيار انتفاء الاختلاف في الكتاب.
  • 38:29 — الغاية من الإنزال: تدبّر الآيات.
  • 47:24 — ما يمنع التدبّر هو قفل القلب لا انغلاق النصّ.

القسمة

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ

"هو وحده الذي أنزل عليك القرآن: منه آيات واضحات الدلالة، هن أصل الكتاب الذي يُرجع إليه عند الاشتباه، ويُرَدُّ ما خالفه إليه، ومنه آيات أخر متشابهات تحتمل بعض المعاني، لا يتعيَّن المراد منها إلا بضمها إلى المحكم،" (3:7)

(تعليق) تُصنّف الآية أولًا ثم ترتّب فورًا. المحكمات «أمّ الكتاب»: المركز الذي يُرَدّ إليه المعنى، والموضع الذي يُؤخذ منه المعيار. والمتشابهات لا تُرفض ولا تُنتقص ولا تُقدَّم كعيبٍ دخل على الكتاب؛ بل تُقبل جزءًا منه. والنظام المُقام اتجاهيّ: المركز محكم، والمحيط متشابه، والقراءة تسير من المحيط إلى المركز لا العكس.

(تعليق) واللافت أنّ الآية لا تُعدّد الآيات المتشابهة ولا تحصرها. وهذا السكوت اختيارٌ من النصّ: موضوع 3:7 ليس الجرد بل موقف القارئ.

التشخيص

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ

"فأصحاب القلوب المريضة الزائغة، لسوء قصدهم يتبعون هذه الآيات المتشابهات وحدها؛ ليثيروا الشبهات عند الناس، كي يضلوهم، ولتأويلهم لها على مذاهبهم الباطلة." (3:7)

(تعليق) الترتيب هنا حاسم: الزيغ في القلب سابق، واتّباع المتشابه لاحق. فالمشكلة ليست في وجود المتشابه بل في القصد الذي يُؤتى به إليه. وتُذكر غايتان: ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل. والثانية وحدها تبدو بريئة — فطلب فهم الكتاب لا يكون شرًّا — لكنها إذ تُقرن بالأولى يتحدّد معناها: أن يُقرَّر المُنتهى سلفًا ثم يُلوى النصّ إليه.

والآية التالية تقلب الكلمة نفسها دعاءً:

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا

"ويقولون: يا ربنا لا تَصْرِف قلوبنا عن الإيمان بك بعد أن مننت علينا بالهداية لدينك، وامنحنا من فضلك رحمة واسعة،" (3:8)

(تعليق) فالزيغ الذي شُخِّص في غيره في 3:7 يصير في 3:8 ما يستعيذ منه القارئ لنفسه. ورود الجذر نفسه في آيتين متتاليتين ينقل «الزيغ» من كونه لافتةً تُعلَّق على الخصم إلى كونه خطرًا يزنه المرء على نفسه.

موضع الوقف

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا

"ولا يعلم حقيقة معاني هذه الآيات إلا الله. والمتمكنون في العلم يقولون: آمنا بهذا القرآن، كله قد جاءنا من عند ربنا" (3:7)

(تعليق) لمّا كان الرسم العربي لا يحمل علامة انتهاء الجملة، احتمل هذا الموضع قراءتين. والمسألة ليست ترجيحًا في الترجمة بل تحديدًا لموضع انتهاء الجملة، وهو ما يُسمّى مسألة الوقف. والقراءتان مبسوطتان أدناه. ويُلاحظ أنّ التفسير الميسّر المقتبس أعلاه يمضي على القراءة الأولى.

معنى «التأويل» في القرآن

(تعليق) قبل الجدل يُنظر في الكلمة المفتاح. في جدول الكلمات المعتمد في هذه المنصّة ترد صيغة «تأويل» في سبعة عشر موضعًا، ثمانيةٌ منها في سورة واحدة (يوسف)، والمعنى فيها ظاهر: وقوع الرؤيا، أي صيرورة الخبر واقعًا. وموضعان يتعلّقان بالكتاب مباشرة:

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ

"هل ينتظر الكفار إلا ما وُعِدوا به في القرآن من العقاب الذي يؤول إليه أمرهم؟" (7:53)

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ

"بل سارَعوا إلى التكذيب بالقرآن أول ما سمعوه، قبل أن يتدبروا آياته،" (10:39)

(تعليق) التأويل في الموضعين ليس معنًى خفيًّا بل مجيء ما أُخبر به: تأويل الكتاب هو حلول اليوم الذي يتحدّث عنه. وفي 17:35 ترد الكلمة في سياق الكيل والميزان بمعنى العاقبة. وهذه الاستعمالات تفتح على 3:7 بابًا ثانيًا: قد لا تكون الجملة تقول «معنى هذه الآيات مغلق» بل «كيفية تحقّق ما تشير إليه لا يعلمها إلا الله». وهو احتمالٌ يسمح به النصّ، لا نتيجة يفرضها.

الكتاب كلّه محكم، والكتاب كلّه متشابه

كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (11:1)

ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ

"الله تعالى هو الذي نزل أحسن الحديث، وهو القرآن العظيم، متشابهًا في حسنه وإحكامه وعدم اختلافه، تثنى فيه القصص والأحكام، والحجج والبينات،" (39:23)

(تعليق) تقول 3:7 إنّ منه آيات محكمات وأُخَر متشابهات. وتصف 11:1 آيات الكتاب كلّها بأنها أُحكمت، وتقرن ذلك بـ«ثم فُصّلت». وتصف 39:23 الكتاب كلّه بأنه متشابه، وتقرن ذلك بـ«مثاني». وجمعها لا يُنتج تناقضًا بل مستويين للكلمة الواحدة: الإحكام في 11:1 بمعنى الإتقان وانتفاء الخلل، والتشابه في 39:23 بمعنى تناسب الكتاب وتماثل حسنه، والقسمة في 3:7 تمييزٌ فنّي داخل الكتاب الواحد بين بيّن الدلالة وبين ما يحتمل أكثر من وجه.

(تعليق) ونتيجته العملية أنّ «المحكم» و«المتشابه» ليسا رفّين ثابتين في القرآن بل وصفان يعملان بحسب السياق. ووصف آية بأنها متشابهة ليس إخراجًا لها من دائرة النظر.

المعيار: انتفاء الاختلاف والتدبّر

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا

"أفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم يقطع بأنه من عند الله وحده؟ ولو كان مِن عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا." (4:82)

(تعليق) تُعطي 4:82 معيارًا: لا يُبطل شيء في الكتاب شيئًا آخر فيه. فإن أفضت قراءةٌ لآية متشابهة إلى ما يصادم المحكمات، فالخلل في القراءة لا في الكتاب. وتنظر 38:29 و47:24 إلى المسألة من جهتها الأخرى: الكتاب أُنزل ليُتدبَّر، والمانع من التدبّر موصوفٌ بأنه قفلٌ على القلب لا انغلاقٌ في النصّ.

ملاحظة في الجذور والألفاظ

الأعداد الآتية محسوبة من جدول الكلمات والجذور في هذه المنصّة، ولا تستند إلى غيره.

اللفظ في 3:7الجذرفي القرآن
مُّحْكَمَـٰتٌح ك م210 مواضع من هذا الجذر
مُتَشَـٰبِهَـٰتٌش ب ه12 موضعًا
زَيْغٌز ي غ9 مواضع، أحدها الآية التالية 3:8
تَأْوِيلِهِۦأ و لصيغة «تأويل» في 17 موضعًا
وَٱلرَّٰسِخُونَر س خموضعان فقط: 3:7 و4:162
ٱلْأَلْبَـٰبِل ب ب16 موضعًا

(تعليق) وأهمّ سطورها الخامس: «الراسخون في العلم» لا ترد في القرآن إلا مرّتين. وهذه الندرة هي بعينها سبب صعوبة ضبط العبارة من داخل النصّ؛ إذ ليس بين اليدين إلا نقطة مقارنة واحدة.

قراءات مختلفة

(تعليق) يُقرأ النصف الثاني من 3:7 على وجهين، والفرق كلّه في الوقف من عدمه.

القراءة الأولى — الوقف. «…وما يعلم تأويله إلا الله». تنتهي الجملة هنا، ثم تبتدئ جملة جديدة: «والراسخون في العلم يقولون آمنّا به». وعلى هذا الوجه يكون التأويل النهائي للمتشابه مغلقًا على البشر، وتكون خصيصة الراسخين لا حلّ المشكل بل الاطمئنان من غير حلّ. ووجهها النحوي أنّ «يقولون» خبرٌ لِـ«والراسخون في العلم»؛ ولو عُطف الراسخون على لفظ الجلالة لبقيت الجملة الفعلية بعدهم بلا رابط.

القراءة الثانية — الوصل. «…وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، يقولون آمنّا به». فالواو عاطفة تجمع فاعلين، و«يقولون» جملة حالية: أي قائلين آمنّا به. ووجهها خاتمة الآية نفسها: «وما يذّكّر إلا أولو الألباب» أليق بكتابٍ يدعو إلى الفهم منه بكتابٍ يُغلق دونه؛ ويعضده أنّ 38:29 تجعل غاية الإنزال تدبّر الآيات.

(تعليق) والموضع الآخر الوحيد للعبارة هو:

لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ

"لكنِ المتمكنون في العلم بأحكام الله من اليهود، والمؤمنون بالله ورسوله، يؤمنون بالذي أنزله الله إليك" (4:162)

(تعليق) ترد العبارة في 4:162 في سياق الإيمان لا في سياق امتياز معرفيّ. ويصحّ أن تُقدَّم قرينةً للقراءة الأولى؛ غير أنّ موضعًا واحدًا آخر لا يحسم إعراب جملة بمفرده.

(تعليق) وثمّة موقف ثالث يسع القراءتين: المسألة في «أيّ تأويل يُقصد» أكثر منها في «لمن ينفتح التأويل». فمن قرأ التأويل على معنى العاقبة كما في 7:53 و10:39 لزمته القراءة الأولى تقريبًا؛ ومن قرأه على معنى حلّ المعنى بقيت له القراءة الثانية مفتوحة. والقراءتان معًا وفيّتان لحرف النصّ، ولا يفصل هذا المقال بينهما.

الحدّ الأمين

ما يقطع به النصّ: أنّ القرآن يقسم آياته محكمًا ومتشابهًا؛ وأنّ المحكمات أمّ الكتاب؛ وأنّ اتّباع المتشابه مقرونٌ بزيغ القلب وابتغاء الفتنة؛ وأنّ تأويله لا يعلمه إلا الله؛ وأنّ قول الراسخين هو «آمنّا به كلٌّ من عند ربنا».

ما يبقى في حيّز الاجتهاد: تعيين الآيات المتشابهة — إذ لا يُعطي القرآن قائمة؛ ومعنى «التأويل» على وجه التحديد في 3:7؛ وهل تنتهي الجملة عند لفظ الجلالة؛ وهل يشارك الراسخون في التأويل. ولا يحسم هذا المقال شيئًا من ذلك.

ما ليس هذا المقال: ليس ترجيحًا بين مدارس التفسير، ولا انتصارًا لمذهب، ولا قائمةً بالآيات المتشابهة. ولم يُستعمل فيه إلا نصّ القرآن وتراجم هذه المنصّة وجدول كلماتها وجذورها.

الخلاصة: 3:7 آية منهج لا آية إغلاق. تقول إنّ في الكتاب مواضع تحتمل أكثر من وجه، وإنّ قراءتها تكون من المركز، أي من المحكم. وكون نصفها الثاني نفسه يحتمل قراءتين يمثّل موضوعها تمثيلًا هادئًا: النصّ يطلب من قارئه اليقظة والتواضع معًا. أن يُترك القاطع قاطعًا والمحتمل محتملًا، وأن يُلتمس الزيغ في النفس أولًا.

المصدر: آيات القرآن (التفسير الميسّر في المتن العربي، وترجمة م. أوكويان في المتن التركي). قرآني المنهج، فوق المذهبي، موثّق.

الآيات ذات الصلة