← الدعوى والدليل

رحمة الله تعالى ومحبّته وفضله وكرمه

القرآن، حين يتحدث عن الله، يذكر رحمته أولًا. فأولُ جملة في الكتاب ليست حُكمًا ولا تهديدًا ولا أمرًا؛ بل هي اسمان من أسماء الرحمة. يتناول هذا المقال كيف أنّ الرحمة والمحبة والفضل والكرم مركزيةٌ وغالبةٌ في تصوّر القرآن لله؛ لكنّ ذلك ليس تسامحًا يصطدم بالعدل، بل كرمٌ يقف مع العدل جنبًا إلى جنب.

الدعوى/السؤال: هل إله القرآن حقًّا إلهٌ "رحيمٌ لا حدّ لرحمته، محبٌّ، كريم، غفور"؛ أم أنّ هذه اللغة الدافئة ليست إلّا خطابًا يقف إلى جانب آيات العذاب؟

الرحمة، مبدأٌ كتبه الله على نفسه

يُعرّف القرآنُ اللهَ بالرحمة أوّلَ ما يُعرّفه. فالبسملة، التي هي افتتاحُ الكتاب، تدعوه باسمين: الرحمن والرحيم (الفاتحة 1:1).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. (1:1)

وكلا الاسمين مشتقٌّ من الجذر نفسه (ر-ح-م)؛ واللافت أنّ هذا الجذر في العربية يعني في الوقت نفسه "الرَّحِم"، أي رحم الأمّ. أي أنّ لغة الرحمة في القرآن لا تُوحي بعفوٍ قانونيٍّ بارد، بل بشفقةٍ محيطةٍ لا مقابل لها كشفقة أمٍّ تغذّي ولدها في رحمها وتحفظه (تأويل). ومن جهة الصرف يختلف الاسمان أيضًا: فـ"الرحمن" على صيغة المبالغة، يدلّ على سَعَة الرحمة الفيّاضة وشمولها كلّ الوجود، ولا يُستعمل إلّا لله؛ أمّا "الرحيم" فيدلّ على رحمةٍ دائمةٍ متجدّدةٍ متعلّقةٍ بالمخاطَب.

وأوّليّةُ الرحمة هذه ليست مجرّد تأكيدٍ لفظيّ؛ بل جعلها الله بذاته مبدأً على نفسه. تقول سورةُ الأنعام ذلك مرّتين وبلسانٍ صريح: "كتب ربكم على نفسه الرحمة" (6:12؛ 6:54).

قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ... (6:12)

والدقيقةُ هنا هي: أنّ الرحمة ليست ضرورةً مفروضةً على الله من الخارج، بل عهدٌ أعطاه لنفسه بإرادته هو (تأويل). وفي هذه الآية بالذات تُذكَر الرحمة جنبًا إلى جنبٍ مع حتميّة يوم القيامة — أي أنّ الرحمة تُذكَر منذ البداية مقترنةً بالمساءلة. أمّا الأنعام 6:54 فتُبيّن أيضًا كيف تعمل هذه الرحمة: فمن عمل سوءًا ثمّ تاب وأصلح، غفر الله له. الرحمة كريمة، لكنّها تدعو إلى انعطافةٍ أخلاقية.

وتُعلن سورةُ الأعراف سَعَة الرحمة في أوسع صورها: "ورحمتي وسعت كلّ شيء" (7:156). والآيةُ نفسها تربط بعد ذلك مباشرةً وجهَ هذه الرحمة الخاصّ المؤدّي إلى النجاة بالتقوى والزكاة والإيمان. أي أنّ الآية ذاتها كأنّها نموذجٌ لتوازن "الرحمة الشاملة" مع "المقابل الأخلاقي".

سورة الرحمن وكونُ الوجود عطيّةً

في القرآن سورةٌ كاملة تُسمّى باسمٍ من أسماء الرحمة: سورة الرحمن (55). تقرأ هذه السورةُ الكونَ كأنّه سجلٌّ لرحمة الله، وتبدأ الكلامَ بعدّ النِّعم التي أعطاها بكرمه (55:1-4).

الرَّحْمَٰنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ. (55:1-4)

الوحيُ، والخلقُ، وملَكةُ الكلام — كلّها تُعدّ عطايا تتدفّق مباشرةً من اسم "الرحمن". وفي بقيّة السورة يتكرّر اللازمة "فبأيّ آلاء ربّكما تكذّبان؟" إحدى وثلاثين مرّة، ويُقدَّم الوجودُ كلّه من أوّله إلى آخره كدفترٍ من الفضل والكرم.

هذا هو بُعد "الفضل" و"الكرم" في الله. فجذر "الفضل" يعني "الزيادة، وما يُعطى فوق المستحَقّ": أي أنّ الفضل إحسانٌ يُعطى بلا مقابلٍ وفوق ما يستحقّه العبد. أمّا "الكرم" فذو محورين — الجود الذي يعطي بسخاءٍ من غير سؤال، وكذلك العلوُّ والشرفُ في الذات. والقرآنُ ينسب كليهما إلى الله، ويصوّر الوجودَ لا كسدادِ دَينٍ بل كهديّة (تأويل).

المحبّة: الودود

وراء الرحمة والجود، يُطلق القرآنُ على الله صراحةً اسمًا من أسماء "المحبّة": الودود. ولا يرد هذا الاسم في القرآن إلّا مرّتين، وفي كلتيهما يُقرَن باسمٍ من أسماء المغفرة/الرحمة. تقول سورةُ البروج:

وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. (85:14)

ووقوعُ هذه الآية في سورةٍ تتحدّث عمّن ظلموا المؤمنين له دلالته: فالمحبّة والمغفرة تُعلَنان جنبًا إلى جنبٍ مع الإنذار. أمّا الموضع الثاني ففي سورة هود على لسان النبيّ شعيب: "واستغفروا ربّكم ثمّ توبوا إليه إنّ ربّي رحيمٌ ودود" (11:90). وهنا تُقدَّم المحبّة الإلهيّة لا لتبرير السوء، بل بوصفها بالضبط مسوّغًا للدعوة إلى التوبة والانعطاف.

ومن الناحية اللغوية، فإنّ "الوُدّ" ليس شعورًا يبقى في الباطن (الحبّ)، بل هو المحبّة وقد تحوّلت إلى إحسانٍ وشفقةٍ وترجمت إلى فعل (تأويل). ولذلك تُبيّن سورةُ آل عمران أنّ هذه المحبّة متبادلةٌ وعلائقيّة: "قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" (3:31). فالمحبّة هنا ليست شعورًا سلبيًّا، بل رابطةٌ ذات اتّجاهين تُنسَج بالتعلّق الصادق.

لا مكان لليأس

ذروةُ لغة الرجاء في القرآن هي في سورة الزمر. فمهما بلغ العاصي من البُعد، لا يُستثنى من عفو الله متى أراد الرجوع:

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. (39:53)

وجذرُ "الغفر" هنا ذو دلالة أيضًا: فهو في الأصل متعلّقٌ بـ"السَّتر والوقاية" — فالمغفرة ستْرُ الذنب عن الأعين ووقايةُ العبد من عاقبته معًا (تأويل). غير أنّ الآيات التي تلي الزمر 39:53 مباشرةً تذكر هذه المغفرة مقترنةً بالإنابة إلى الربّ والتسليم؛ أي أنّ اللاحدّيّة حقيقية، لكنّها ليست رخصةً سائبة.

الرحمة والعدل: صفتان لا تُلغي إحداهما الأخرى

لا يفصل القرآنُ الرحمة عن العدل؛ بل يذكرهما في نَفَسٍ واحد. وسورةُ غافر أوضحُ مثالٍ على ذلك:

غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. (40:3)

ففي الجملة نفسها الله "غافر الذنب" و"شديد العقاب"؛ ولا تُلغي أيّ من هاتين الصفتين الأخرى. وتقيم سورةُ الحِجر التوازنَ نفسه في آيتين بوعيٍ مقصود: فتقول أوّلًا "أنّي أنا الغفور الرحيم"، ثمّ تُلحق مباشرةً "وأنّ عذابي هو العذاب الأليم" (15:49-50). فالرحمة تُذكَر أوّلًا وبشكلٍ غالب؛ لكن يُثبَّت العدلُ بعدها مباشرةً، لئلّا يُظنَّ أنّ الرحمة إلغاءٌ للعاقبة الأخلاقية.

قراءات مختلفة

قراءة التفسير الكلاسيكي — الرحمة قبل الغضب. يجعل المفسّرون كالطبريّ والقرطبيّ وابن كثير آيةَ "كتب ربكم على نفسه الرحمة" (6:12؛ 6:54) في المركز، ويقرؤونها مع الحديث القدسيّ المشهور: "سبقت رحمتي غضبي". فـ"الرحمن" رحمةٌ واسعةٌ تشمل في الدنيا الجميعَ مؤمنًا وكافرًا دون تمييز، و"الرحيم" رحمةٌ خاصّةٌ دائمةٌ موجّهةٌ إلى المؤمنين تحديدًا؛ و"رحمتي وسعت كلّ شيء" (7:156) أساسُ هذا الشمول. ومع ذلك، فلأنّ الآية نفسها تربط الرحمة الخاصّة بالتقوى والإيمان، فإنّ القراءة الكلاسيكية لا تجعل الرحمة تصطدم بالعدل.

القراءة اللغوية — الرحمة و"الرَّحِم". "الرحمن/الرحيم" و"الرَّحِم" (رحم الأمّ) من جذرٍ واحد؛ ويُعرّف الراغبُ الأصفهانيّ الرحمةَ بأنّها "رِقّةٌ/شفقةٌ تقتضي الإحسان". وتؤكّد هذه القراءةُ أنّ الرحمة في القرآن ليست عفوًا قانونيًّا باردًا، بل موقفٌ دافئ علائقيٌّ مترجَمٌ إلى فعل؛ وأنّ اسم "الودود" يحمل كذلك معنى "المحبّة المترجمة إلى فعل".

القراءة الصوفية / العرفانية — الرحمة أساسُ الوجود. يعدّ هذا التقليد (مثل مفهوم "النَّفَس الرحمانيّ" عند ابن عربي) الوجودَ منذ البداية فعلَ رحمة؛ ويقرأ حديثَ "سبقت رحمتي غضبي" باعتباره أولويّةً وجوديّة. وافتتاحُ سورة الرحمن (55:1-4) كلَّ شيءٍ باسم الرحمة سندٌ لهذه القراءة. ومع ذلك، فإنّ العرفان أيضًا يضبط هذه المحبّة بوصفها محبّةً مؤدِّبة، تتجلّى أحيانًا في صورة الجلال (تأويل).

القراءة الأكاديمية / الحديثة — تعريفٌ ذاتيٌّ غالب متوازنٌ مع العدل. تلفت الدراساتُ الحديثة إلى أنّ 113 من السور الـ114 تُفتَتَح بالبسملة، أي باسمَي الرحمة؛ فالقارئ يلقى الرحمةَ أوّلًا في كلّ افتتاحٍ تقريبًا. ووقوعُ "الودود" مرّتين فقط (11:90؛ 85:14) يجعله نادرًا لكنّه بقدر ندرته مؤكَّد. وتقول هذه القراءةُ إنّ الرحمة، إحصائيًّا وبنيويًّا، هي التعريفُ الذاتيُّ الغالب في القرآن؛ لكنّ ذلك ليس تسامحًا منفصلًا عن العدل.

إطار "الأسماء التسعة والتسعون": تقليدٌ أم نصّ؟

هنا يلزم تمييزٌ مهمّ. يُخبر القرآنُ مرارًا أنّ لله "الأسماء الحسنى" (الأعراف 7:180)، ويذكر هذه الأوصاف واحدًا واحدًا — الرحمن، الرحيم، الودود، الغفور، الكريم، اللطيف، الرؤوف. غير أنّ القرآن لا يُعطي قائمةً ثابتةً معدودةً بـ"تسعةٍ وتسعين اسمًا".

فالإطارُ المشهور القائل بأنّ "الأسماء الحسنى تسعةٌ وتسعون بالضبط" مستنِدٌ إلى حديث (البخاري ومسلم: "إنّ لله تسعةً وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنّة")، لا إلى نصّ القرآن. وكذلك الجوانبُ العمليّة كذكر الأسماء بأعدادٍ معيّنةٍ وتكرارها تسبيحًا، تعود إلى تقليد السنّة/التصوّف؛ فالقرآنُ لا يحدّد صورتها ولا عددها. وينبغي عرضُ ذلك على نحوٍ يعلو على المذاهب: فالصورةُ العمليّة مسألةُ تطبيقٍ نبويّ/فقهٍ-تقليد، لا نصُّ القرآن مباشرةً.

الحدّ الأمين

الذي يقوله النصّ قطعًا هو: أنّ القرآن يُعرّف اللهَ أوّلًا وبشكلٍ غالبٍ بالرحمة؛ والرحمةُ مبدأٌ كتبه على نفسه (6:12؛ 6:54)، تسع كلّ شيء (7:156)، ولا تُوقِع العاصيَ في اليأس (39:53)، ويُعطى الله اسمًا صريحًا من أسماء "المحبّة" (85:14؛ 11:90). هذه معطياتٌ نصّيّةٌ لا تُنازَع.

لكنّ الحدّ الأمين يأتي أيضًا من النصّ نفسه: هذه الرحمة ليست إقرارًا للظلم أو الجَور (تساهلًا مطلقًا). فالقرآن نفسه يقول إنّ عذاب الله "أليم" (15:49-50)، وإنّه "شديد العقاب" (40:3). بل يُصرّح الله بأنّه "لا يحبّ" بعض المواقف: فلا يحبّ المعتدين المتجاوزين للحدّ (البقرة 2:190)، ولا الظالمين (آل عمران 3:57)، ولا المستكبرين المتفاخرين (النساء 4:36؛ النحل 16:23). أي أنّ الرحمة لا حدّ لها وهي أوّليّة؛ أمّا المحبّة فتحمل وجهًا أخلاقيًّا ولا تُغضي عن الظلم.

أمّا الجزءُ التأويليّ الذي يتجاوز النصّ فهو هذا (تأويل): مسألةُ هل ستُفرِغ الرحمةُ في النهاية جهنّمَ أم لا — أي هل تتجاوز الرحمةُ الغالبةُ خلودَ العذاب أم لا — مسألةٌ خلافيّةٌ داخل الفكر الإسلاميّ. فبينما يدافع الجمهورُ عن الخلود، فتح بعضُ العلماء (على خطّ ابن تيمية/ابن القيّم) بابَ النقاش؛ وهذا يُبيّن أنّ حدَّ مبدأ "الرحمة الغالبة" لم يتّضح بذاته داخل التقليد. وعرضُ هذا كأنّه حُكمٌ قاطعٌ لمذهبٍ ما يكون ادّعاءً بأكثر ممّا يعطيه النصّ.

الخلاصة: إنّ تصوّر القرآن لله متمركِزٌ حول الرحمة بلا تردّد: فالكتاب يذكره أوّلًا رحمنًا ورحيمًا، ويجعل الرحمة عهدًا كتبه على نفسه، ويقول إنّها وسعت كلّ شيء وإنّ لا عاصيَ محكومٌ عليه باليأس؛ فوق ذلك يعطيه أسماء "المحبّ" (الودود)، و"الكريم"، و"ذي الفضل"، و"الغفور"، و"الرؤوف". هذه الدفء حقيقيٌّ وغالب. لكنّ النصّ نفسه يضع هذه الرحمة إلى جانب العدل لا في مقابله: فالرحمةُ إبقاءُ باب التوبة والانعطاف مفتوحًا إلى آخره — لا إقرارُ الظلم. هذا هو توازن القرآن: الرحمة اللامحدودة ليست تسامحًا بلا قيد.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (بمقارنة التراجم) + معاجم كلاسيكية (معجم لِين، الرَّاغِب الأصفهاني) ومدوّنة القرآن اللغوية (بيانات الجذر)؛ وتقاليد تفسيرية كلاسيكية وحديثة للتأويل. يُعرَض مع التمييز بين النص والتأويل، عابرًا للمذاهب وباحترام.

الآيات ذات الصلة