← الدعوى والدليل

أليست عقوبة الزنا مئة جلدة قاسية؟

السؤال/الدعوى: «يأمر القرآن في الزنا بمئة جلدة (٢٤:٢). أليست عقوبةٌ تُوقَع على البدن — بمعايير حقوق الإنسان الحديثة — تعذيبًا / معاملةً لا إنسانية؟ بل يقول: 'ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله' (٢٤:٢) — أليس هذا حكمًا قاسيًا بلا رحمة؟ ثم يُضاف إليه الرجم (القتل رجمًا).»

السياق

الآية صريحة:

«الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مئة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله…» (٢٤:٢)

لكنّ هذه الآية ليست «وصفةَ تنفيذٍ» قائمةً بذاتها؛ فالآيات المحيطة تضعها في نظامٍ يجعلها شبه غير قابلة للتطبيق:

  • شرط الإثبات: لا يثبت الجرم إلا بـأربعة شهود عيان. ومن عجز عن الإتيان بأربعة يُجلَد هو نفسه ثمانين جلدة حدَّ القذف وتُردّ شهادته (٢٤:٤). فالاتهام الذي لا يُثبَت يرتدّ حدًّا على المتّهِم نفسه.
  • باب التوبة: ثم يُستثنى من تاب وأصلح: «إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإنّ الله غفور رحيم» (٢٤:٥).
  • اللِّعان بين الزوجين: إذا لم يكن بين الزوجين شهود، جرى التلاعن؛ وشهادةُ المرأة أربعًا بالأيمان ثم الخامسةُ باستنزال غضب الله على الكاذب منهما تدرأ عنها العذاب (٢٤:٦-٩).
  • التدرّج التاريخي: في مرحلةٍ أبكر تأمر سورة النساء بإمساك النساء في البيوت تدبيرًا مؤقتًا وتقول «…أو يجعل الله لهنّ سبيلًا» (٤:١٥)؛ فإن تابا وأصلحا أمرت بالإعراض عنهما، أي رفع العقوبة (٤:١٦).

قراءتان

الفقه الكلاسيكي (جمهور الفقهاء): يقصر أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل «مئة جلدة» في ٢٤:٢ على البكر (غير المحصن)، ويخصّون الرجم بـالمحصن (المتزوّج)، مستندين في الرجم لا إلى القرآن بل إلى عمل النبي وسنّته (الديانة، تفسير النور ٢٤:٢؛ مادة «الحدّ» في TDV). والمذهب نفسه يجعل الإثبات شبه مستحيل قصدًا: أدنى شبهة تُسقط الحدّ («الحدود تُدرأ بالشبهات»). ولذلك يُذكر أنّ الرجم — حتى في العصر الكلاسيكي — كاد لا يُطبَّق (تأويل).

القراءة القرآنية / الأكاديمية: يرى محمد أوكويان ووقف السليمانية (عبد العزيز بايندر) ومن نحا نحوهم أنّ العقوبة القرآنية الوحيدة للزنا هي مئة جلدة في ٢٤:٢، وأنّ الرجم ليس في القرآن (تأويل). وفي هذه القراءة جاءت العقوبة بـتخفيفٍ تدريجي: «إمساك البيوت» في ٤:١٥ تدبيرٌ انتقالي، و«يجعل الله سبيلًا» هو الباب المفضي إلى ٢٤:٢، و٤:١٦ يرفع العقوبة عند التوبة. ويرى وقف السليمانية كذلك أنّ الحكم — عبر تعيين النص نفسه — مُلزِمٌ للجميع بلا تفريقٍ بين محصن وبكر (تأويل). ودليلٌ آخر: تُقدَّر للأمَة في ٤:٢٥ «نصف ما على المحصنات من العذاب»؛ وإنما يُنَصَّف الجلد، والرجم لا يتجزّأ، فلا يكون الحدّ رجمًا (تأويل). بل تفسير الديانة نفسه ينقل رأيًا بديلًا: مئة جلدة هي الحدّ العام، وأمّا الرجم/النفي فمن باب التعزير المتغيّر (الديانة، تفسير النور ٢٤:٢).

حدٌّ أمين

  • وجه صواب الاعتراض: مئة جلدة، نصًّا مجرَّدًا، عقوبةٌ بدنية ثقيلة؛ وبمعايير حقوق الإنسان الحديثة تُساءل من جهة حظر التعذيب / المعاملة اللاإنسانية (تأويل). وتجاهل هذا ليس أمينًا.
  • الثابت في النص: النص يأمر بالجلد صراحةً (٢٤:٢)، وقوله «ولا تأخذكم بهما رأفة» يفترض أنّ العقوبة قابلةٌ للتطبيق. فعدّ الحكم رمزيًّا محضًا تجاوزٌ للفظ (تأويل).
  • المتنازَع فيه تأويلًا: أهو «جلدٌ قاسٍ» أم «نظامٌ رادع»؟ الجواب يختلف بالقراءة. القراءة البديلة تنظر إلى قابلية التطبيق: أربعة شهود عيان تجعل الإثبات شبه مستحيل (٢٤:٤)، والمتّهِم العاجز يُعاقَب بثمانين جلدة، وباب التوبة مفتوح (٢٤:٥؛ ٤:١٦)، والاتهام بين الزوجين مربوطٌ بالأيمان صونًا للخصوصية (٢٤:٦-٩). فيُقرأ الحكم في هذا الإطار نظامًا يردع القذف في الأعراض وانتهاك الخصوصية، ويكاد يُخرج الإثبات من دائرة العقاب، أكثر منه أداةَ تنفيذ (تأويل).
  • في مسألة الرجم: إن كان الاعتراض يقصد الرجم، فالقدر المشترك بين الطرفين الكلاسيكي والحديث أنّ الرجم ليس في نص القرآن (انظر المقالة ذات الصلة للتفصيل). وإن قصد الجلد، فينبغي أن يوزَن ثقلُ الحكم مع ثقل شرط الإثبات معًا.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة