النور والظلمات في القرآن
بإيجاز
حين يتحدث القرآن عن الهداية والضلال يستعمل لفظين أكثر من غيرهما: النور والظلمات. يردان متقابلين، غير أن التقابل ليس متماثلًا. فلفظ "نور" يرد ثلاثًا وأربعين مرة وكلها بصيغة المفرد؛ أما الجمع (أنوار) فلا يرد في القرآن أصلًا. ولفظ الظلمة اسمًا يرد ثلاثًا وعشرين مرة وكلها بصيغة الجمع؛ أما المفرد "ظُلمة" فلا يرد. والصيغة المتكررة أحادية الاتجاه كذلك: الإخراج من الظلمات إلى النور. تتبع هذه المقالة هذه الصيغة في الآيات، ثم تعرض الإحصاء اللفظي، ثم تفصل بين ما يقوله النص وما يستنتجه القارئ منه.
الآيات المذكورة
- 6:1 — خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور.
- 2:257 — الله يخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور، والطاغوت يفعل العكس.
- 5:16 — يهدي سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور.
- 14:1 — الكتاب أُنزل لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
- 33:43 — الله وملائكته يصلّون عليكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور.
- 57:9 — ينزّل الآيات البينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور.
- 65:11 — رسول يتلو الآيات ليخرج المؤمنين إلى النور.
- 2:17 — ذهاب النور وترك أصحابه في ظلمات.
- 6:122 — من جُعل له نور ليس كمن هو في الظلمات.
- 24:40 — ظلمات بعضها فوق بعض، ومن لم يُجعل له نور فما له من نور.
- 24:35 — الله نور السموات والأرض، ومثل نوره كمشكاة.
- 13:16 — هل تستوي الظلمات والنور؟
- 35:20 — ولا الظلمات ولا النور.
- 39:22 — من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه.
- 10:5 — الشمس ضياء والقمر نورًا.
- 57:12 — نور المؤمنين يسعى بين أيديهم يوم القيامة.
أولًا: كلاهما مخلوق
يفتتح القرآن هذا الباب بوضع اللفظين داخل دائرة الخلق:
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ
"الذي أنشأ السموات والأرض وما فيهن، وخلق الظلمات والنور،" (6:1)
(استنتاج) ليست هذه لغة ثنائية تجعل الظلمة قوة مستقلة تنازع النور، بل تُذكر الظلمات بوصفها مجعولة. وتمام الآية — إنكار على من يعدلون بربهم — يجعل الجملة جملة توحيد: للظلمة أيضًا خالق.
ثانيًا: صيغة "من الظلمات إلى النور"
تتكرر صيغة فعلية بعينها: الإخراج، مقرونًا بـ"من الظلمات" و"إلى النور". وأشهر مواضعها في سورة البقرة:
ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ
"الله يتولى المؤمنين بنصره وتوفيقه وحفظه، يخرجهم من ظلمات الكفر، إلى نور الإيمان. والذين" (2:257)
وتُستعمل الصيغة نفسها للوحي:
كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ
"يهدي الله بهذا الكتاب المبين من اتبع رضا الله تعالى، طرق الأمن والسلامة، ويخرجهم بإذنه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويوفقهم" (5:16)
ويتنوع فاعل الفعل: الله تارة، والكتاب تارة، والرسول تارة:
هُوَ ٱلَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَـٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ
"هو الذي يرحمكم ويثني عليكم وتدعو لكم ملائكته؛ ليخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الإسلام،" (33:43)
هُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِۦٓ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ
"هو الذي ينزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم آيات مفصلات واضحات من القرآن؛ ليخرجكم بذلك من ظلمة الكفر إلى نور" (57:9)
لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ
"هو الرسول يقرأ عليكم آيات الله موضحات لكم الحق من الباطل؛ كي يخرج الذين صدقوا الله" (65:11)
(استنتاج) بجمع هذه المواضع يظهر ما يشبه توزيع الأدوار: الفاعل الأصلي هو الله، والكتاب والرسول وسيلتان. والنص لا يقرّر ذلك تقريرًا، لكن تكرار الفعل الواحد بفاعلين مختلفين يفتح هذه القراءة.
كما أن الاتجاه ثابت. وفي 2:257 وحدها ينعكس الاتجاه، وهو منعكس للجانب السلبي: الطاغوت يُخرج من النور إلى الظلمات.
ثالثًا: نور مفرد وظلمات جمع
الأعداد الواردة هنا محسوبة من قوائم الكلمات المفهرسة بجذورها (انظر "ملحوظة الجذر واللفظ").
(استنتاج) التقابل الصرفي لافت: النور مفرد دائمًا، والظلمات جمع دائمًا. وقراءة ذلك بأن "الحق واحد وطرق الضلال كثيرة" قراءة شائعة ومنسجمة، والنص لا يعارضها؛ غير أنه لا يصرّح بها. فليس في القرآن آية تعلّل اختيار الإفراد أو الجمع. فهذا إذن استنتاج من صورة النص لا خبر من أخباره.
ويظهر التقابل نفسه داخل آية واحدة: نور المنافقين مفرد، والظلمات التي تُركوا فيها جمع:
ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ
"فلما سطعت النار وأنارت ما حوله، انطفأت وأعتمت، فصار أصحابها في ظلمات لا يرون شيئًا،" (2:17)
ويُقابَل بين من جُعل له نور ومن بقي في الظلمات:
أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا
"أوَمن كان ميتًا في الضلالة هالكا حائرا، فأحيينا قلبه بالإيمان، وهديناه له، ووفقناه لاتباع رسله، فأصبح يعيش في أنوار الهداية،" (6:122)
رابعًا: طبقات الظلمة
في سورة النور تُرسم الظلمة طبقات متراكمة:
أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يَغْشَىٰهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِۦ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِۦ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَـٰتٌۢ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ
"أو تكون أعمالهم مثل ظلمات في بحر عميق يعلوه موج، من فوق الموج موج آخر، ومِن فوقه سحاب كثيف، ظلمات شديدة بعضها" (24:40)
(استنتاج) هذه الصورة أقوى قرينة داخلية على معنى الجمع: الظلمة هنا ليست حجابًا واحدًا بل حُجُبًا متراكمة (موج، وموج فوقه، وسحاب). ثم تعود الآية في خاتمتها إلى النور مفردًا: من لم يُجعل له نور فما له من نور.
خامسًا: آية النور واللغة التمثيلية
من أكثر الآيات تداولًا آية تسمّي الله نورًا:
ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ
"الله نور السموات والأرض يدبر الأمر فيهما ويهدي أهلهما، فهو-" (24:35)
(استنتاج) الآية تصف لغتها بنفسها بأنها تمثيلية: تقول "مثل نوره"، وتختم بقوله "ويضرب الله الأمثال للناس". فالمشكاة والزجاجة وشجرة الزيتون تشبيه لا تعريف. والآية تبني مشهدًا بصريًا لبيان حال الهداية أكثر مما تضع حدًّا للذات الإلهية. ولذلك فإن قراءتها وصفًا لضوء فيزيائي أو دعوى كونية خروج عن الإطار الذي وضعته الآية لنفسها.
سادسًا: أسئلة الاستواء
يقابل القرآن بين النور والظلمات في صورة سؤال:
قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ
"أم هل يستوي عندكم الكفر -وهو كالظلمات- والإيمان -وهو كالنور؟" (13:16)
وَلَا ٱلظُّلُمَـٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ
"وما يستوي الأعمى عن دين الله، والبصير الذي أبصر طريق الحق واتبعه، وما تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان،" (35:20)
أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ
"أفمن وسَّع الله صدره، فسعد بقبول الإسلام والانقياد له والإيمان به، فهو على بصيرة" (39:22)
(استنتاج) المقابلة في هذه المواضع الثلاثة معرفية أكثر منها أخلاقية: فالأعمى والبصير، والظلمات والنور، كلاهما مبني على الإبصار. فالنور هنا إمكان رؤية لا جزاء.
سابعًا: النور ليس مجازًا دائمًا
هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُورًا
"الله هو الذي جعل الشمس ضياء، وجعل القمر نورًا،" (10:5)
يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم
"يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم على الصراط بين أيديهم وعن أيمانهم،" (57:12)
(استنتاج) في 10:5 يوصف القمر بالنور، ولا حاجة إلى المجاز. وفي 57:12 يرد النور شيئًا للمؤمنين في مشهد أخروي. فليس "النور" مصطلحًا تقنيًا واحدًا في القرآن: يحتمل بحسب سياقه الضوء الحسي، والوحي، والهداية، وحالًا في الآخرة.
ملحوظة الجذر واللفظ
الأعداد التالية محسوبة من سجلات الكلمات المفهرسة بجذورها:
| اللفظ/الجذر | العدد | ملحوظة |
|---|---|---|
| كلمات جذر ن-و-ر | 194 | تشمل صيغ "النار" |
| صيغ "نور" (نور، النور، نورًا، نوره، نورهم…) | 43 كلمة في 33 آية | كلها مفردة |
| جمع النور (أنوار) | لا يرد | غير موجود في القرآن |
| كلمات جذر ظ-ل-م | 315 | أكثرها بمعنى الظلم |
| "ظلمات" اسمًا للظلمة | 23 كلمة في 21 آية | كلها جمع |
| المفرد "ظُلمة" | لا يرد | غير موجود في القرآن |
| "منير" | 6 | 3:184، 22:8، 25:61، 31:20، 33:46، 35:25 |
ملحوظة: "النور" و"النار" مفهرسان تحت الجذر نفسه (ن-و-ر) في قوائم الكلمات. وآية 2:17 تجمع بينهما في مشهد واحد: توقد نار، فيضيء ما حولها، ثم يُذهب النور.
كما ترد الظلمة مرتين وصفًا لا اسمًا: 10:27 و36:37، وليستا داخلتين في العدد المذكور.
قراءات مختلفة
(استنتاج) في تفسير هذا التقابل ثلاث قراءات على الأقل:
- قراءة لغوية: الجمع "ظلمات" في العربية قد يفيد الكثافة والتراكم (كما في 24:40)، فيكون معناه "الظلمة كثيفة متراكمة" لا "طرق الضلال كثيرة".
- قراءة مفهومية: الجمع يشير إلى أن الهدى واحد والضلال متشعب. وهي منسجمة مع الإطار العام للنص (وحدة الصراط المستقيم) لكنها لا تستند إلى تصريح في آية.
- قراءة متحفظة: استخراج مذهب منهجي من اختيار الألفاظ قد يكون تحميلًا للغة النص قاعدة لاحقة. فالتقابل حقيقي ولافت، لكنه لا يؤسّس وحده تعليمًا.
والقراءات الثلاث لا يلغي بعضها بعضًا؛ والأوليان تحتملان الاستناد معًا إلى 24:40.
الحد الأمين
ما يقرره النص صراحة:
- النور والظلمات زوج متقابل، وكلاهما مجعول (6:1).
- صيغة "من الظلمات إلى النور" متكررة واتجاهها ثابت (2:257، 5:16، 14:1، 33:43، 57:9، 65:11).
- في قوائم الألفاظ يرد النور مفردًا دائمًا والظلمات جمعًا دائمًا.
- آية 24:35 تصرّح داخلها بأن لغتها تمثيلية.
ما يبقى في دائرة الاجتهاد:
- علة اختلاف الصيغتين. فقولنا "الحق واحد والضلال كثير" استنتاج لا نص.
- ما ترمز إليه المشكاة والزجاجة وشجرة الزيتون. فالآية تبني المشهد ولا تفكّك عناصره.
- كون النور مخلوقًا أو وصفًا؛ وهذا بحث يتجاوز ألفاظ الآيات، ولا تدخل فيه هذه المقالة.
وما ليست هذه المقالة: ليست محاولة لاستخراج إعجاز عددي من إحصاء الألفاظ. فالإحصاء هنا لتوثيق ملاحظة لغوية فحسب، والأعداد نفسها ليست دليلًا.
الخلاصة: يشكّل النور والظلمات في القرآن زوجًا مفهوميًا، لكنه ليس قطبين متكافئين. النور مفرد ثابت وهو الغاية، والظلمة جمع متراكم وهي المتروك. والجملة المتكررة ليست جملة توازن بل جملة اتجاه: من الظلمات إلى النور. وكل تفسير وراء ذلك — علة التقابل، ودلالة الرموز — استنتاج من القارئ، وينبغي أن يُعلَّم بذلك.
المصدر: آيات القرآن (ترجمة م. أوقويان بالتركية، والتفسير الميسر بالعربية) + kuranokuyan.com. مقالة قرآنية المرجع، فوق المذهبية، موثقة.