مبادئ الحرب والسلم في القرآن
بإيجاز
لا يمجّد القرآن الحرب ولا يلغيها إلغاءً تامًّا، بل يقيّدها. وفي النص ثلاثة أسئلة منفصلة: لماذا أُذن بالقتال، وإلى أي حدّ يجوز، ومتى يجب أن يتوقف. فالإذن معلَّق على وقوع الظلم (22:39)، والحدّ مرسوم داخل الأمر نفسه: «ولا تعتدوا» (2:190)، ويتجسّد في قاعدة المِثل (2:194، 16:126)، أما شرط الانتهاء فمعلَّق على كفّ الطرف الآخر (2:192، 8:61). ومن لم يقاتل أو اعتزل أو ألقى السلم فلا سبيل عليه (4:90، 60:8). وحين تُفصل هذه الحلقات الثلاث — السبب والحدّ والنهاية — يسهل أن يُساء فهم الآيات.
الآيات المعروضة
- 22:39 — الإذن بالقتال معلَّق على وقوع الظلم.
- 22:40 — دفع الظلم يحمي الصوامع والبِيَع والصلوات والمساجد معًا.
- 2:190 — يُقاتَل من يقاتِل، والاعتداء محرَّم.
- 2:191 — الفتنة أشدّ من القتل.
- 2:192 — فإن انتهوا فباب المغفرة مفتوح.
- 2:193 — إذا انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين.
- 2:194 — الردّ مقيَّد بمثل الاعتداء.
- 16:126 — العقوبة بالمثل على الأكثر، والصبر خير.
- 5:8 — بغض قوم لا يبرّر ترك العدل.
- 4:90 — من اعتزلكم وألقى السلم فلا سبيل عليه.
- 4:94 — لا يقال لمن ألقى السلم «لست مؤمنًا»، بل يُتبيَّن.
- 9:6 — المستجير يُبلَّغ مأمنه.
- 8:61 — إن جنحوا للسلم فاجنح لها.
- 8:62 — احتمال الخديعة ليس مبررًا لردّ السلم.
- 47:4 — إذا وضعت الحرب أوزارها فمنٌّ أو فداء.
- 60:8 — البرّ والقسط لغير المقاتلين غير منهيّ عنهما.
- 60:9 — النهي متعلق بموالاة من قاتل وأخرج.
- 5:32 — من قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا.
- 2:256 — لا إكراه في الدين.
- 49:9 — بين المؤمنين الأمر الأول هو الإصلاح.
١. السبب: على ماذا عُلِّق الإذن؟
أول نصّ يأذن بالقتال يعلّق الإذن لا على اعتقاد، بل على فعل واقع: الظلم.
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟
«أَذِنَ الله للمسلمين في القتال؛ بسبب ما وقع عليهم من الظلم والعدوان، وإن الله تعالى قادر على نصرهم وإذلال عدوِّهم.» (22:39)
والآية التالية تبيّن نوع الظلم: الإخراج من الديار.
ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ
«ولولا ما شرعه الله من دَفْع الظلم والباطل بالقتال لَهُزِم الحقُّ في كل أمة ولخربت الأرض، وهُدِّمت فيها أماكن العبادة» (22:40)
(تأويل) لافتٌ أن خاتمة الآية نفسها تعدّ ما كان سيُهدَم: صوامع وبِيَع وصلوات ومساجد. فالمَحميّ في منطق النص ليس معبد طائفة واحدة، بل إمكان العبادة ذاتها. وهذا إطار ينقل السبب من «اختلاف العقيدة» إلى «الاعتداء والتهجير».
٢. الحدّ: «ولا تعتدوا»
الأمر بالقتال محدود داخل الجملة التي تصدره.
وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ
«وقاتلوا -أيها المؤمنون- لنصرة دين الله الذين يقاتلونكم... إن الله لا يحب الذين يجاوزون حدوده» (2:190)
ثم يُذكر مقدار هذا الحدّ: الردّ بالمِثل.
فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ
«فمن اعتدى عليكم بالقتال أو غيره فأنزلوا به عقوبة مماثلة لجنايته... ولا تتجاوزوا المماثلة في العقوبة» (2:194)
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ
«وإن أردتم -أيها المؤمنون- القصاص ممن اعتدوا عليكم، فلا تزيدوا عما فعلوه بكم» (16:126)
والعداوة لا تُعلّق العدل:
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ
«ولا يحملنكم بُغْضُ قوم على ألا تعدلوا، اعدِلوا بين الأعداء والأحباب على درجة سواء» (5:8)
(تأويل) بجمع الآيات الثلاث يظهر سقفٌ لا هدف: المماثلة حدّ أعلى لا غاية. فآية 16:126 تضع القيد ثم تُفضّل في النفس الجملة نفسها ما دونه، أي الصبر. وآية 5:8 تسمّي أصعب ما في حال الحرب — أن يذيب الغضبُ الميزان — وتمنعه صراحة.
٣. شرط الانتهاء: إن كفّوا فكُفّوا
تنظيم نهاية القتال في هذه الآيات أدقّ من تنظيم بدايته؛ ففي المقطع 2:190-194 يتكرر شرط «الانتهاء» مرتين.
فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
«فإن تركوا ما هم فيه من الكفر وقتالكم عند المسجد الحرام... فإن الله غفور لعباده، رحيم بهم.» (2:192)
وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ
«فإن كفُّوا عن الكفر والقتال فكُفُّوا عنهم؛ فالعقوبة لا تكون إلا على المستمرين على كفرهم وعدوانهم.» (2:193)
وإذا جاء عرض السلم فالجواب أمرٌ لا خيار:
وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ
«وإن مالوا إلى ترك الحرب ورغبوا في مسالمتكم فمِلْ إلى ذلك -أيها النبي- وفَوِّضْ أمرك إلى الله، وثق به.» (8:61)
والآية التي تليها مباشرةً تجيب عن الاعتراض المتوقَّع: فماذا لو خدعوا؟
وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ
«وإن أراد الذين عاهدوك المكر بك فإن الله سيكفيك خداعهم» (8:62)
(تأويل) الترتيب هنا ذو دلالة: النص لا ينكر احتمال الخديعة، لكنه يرفض أن يجعله سببًا لردّ السلم. والأمر بالتوكل في خاتمة 8:61 هو بعينه طلبُ تحمّل هذه المخاطرة. فالسلم — في هذه القراءة — يُقبل لأنه عُرض، لا لأن صدق العارض قد ثبت.
٤. من لم يقاتل فلا سبيل عليه
أوضح فاصل في هذه الآيات هو بين المقاتِل وغير المقاتِل.
فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا
«فإن تركوكم فلم يقاتلوكم، وانقادوا اليكم مستسلمين، فليس لكم عليهم من طريق لقتالهم.» (4:90)
وفي سورة الممتحنة يتحول الفاصل نفسه إلى واجب إيجابي:
لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ
«لم يقاتلوكم من الكفار بسبب الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تكرموهم بالخير، وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم وبرِّكم بهم.» (60:8)
إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ
«إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم بسبب الدين وأخرجوكم من دياركم، وعاونوا الكفار على إخراجكم أن تولوهم بالنصرة والمودة» (60:9)
(تأويل) بقراءة 60:8 و60:9 معًا يتبيّن أن المعيار سلوكيّ: القتال والإخراج، لا الاعتقاد. وصيغة النفي في 60:8 دالّة: الآية لا تُنشئ نهيًا جديدًا، بل ترفع نهيًا متوهَّمًا. وتكرار مادة «القسط» مرتين في الآية الواحدة يربط هذه العلاقة بالإنصاف لا بمجرد التسامح.
٥. عند الشك: لا حكم عجول
الحرب تُسرّع الأحكام، وهنا بالذات يُبطئها النص.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا
«ولا تنفوا الإيمان عمن بدا منه شيء من علامات الإسلام ولم يقاتلكم؛ لاحتمال أن يكون مؤمنًا يخفي إيمانه» (4:94)
والمستجير لا يُكرَه على البقاء حتى بعد أن يسمع ما جاء ليسمعه:
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ
«فأجبه إلى طلبه حتى يسمع القرآن الكريم ويطَّلع على هدايته، ثم أَعِدْه من حيث أتى آمنًا» (9:6)
(تأويل) في الآية 4:94 يتكرر الأمر بالتبيّن مرتين داخل الآية الواحدة، ويُذكر بينهما الدافع إلى الخطأ: ابتغاء عَرَض الدنيا. فالنص يردّ الحكم الجائر إلى ضعف أخلاقي لا إلى قصور في المعلومة. وتُكمل 9:6 الصورة: عدم إيمان المستجير لا يُسقط أمانه.
٦. إذا وضعت الحرب أوزارها
فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ
«فإذا لقيتم- أيها المؤمنون- الذين كفروا في ساحات الحرب فاصدقوهم القتال... فأحكموا قيد الأسرى» (47:4)
فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا
«فإما أن تَمُنُّوا عليهم بفك أسرهم بغير عوض، وإما أن يفادوا أنفسهم بالمال أو غيره... واستمِرُّوا على ذلك حتى تنتهي الحرب.» (47:4)
(تأويل) منطق الآية متسلسل: لقاء، ثم إثخان، ثم وثاق، ثم إطلاق. والخياران المذكوران ينتهيان معًا بخروج الأسير من الأسر: أحدهما بلا عوض والآخر بفداء. أما قيد «حتى تضع الحرب أوزارها» فيجعل الإجراء كلَّه محدودًا بزمن: ما يوصف هنا حالُ استثناء يُفترض انتهاؤه، لا نظامٌ دائم.
٧. نفس واحدة والناس جميعًا
الجملة التي تعطي هذا الباب ميزانه الأخلاقي لا ترد في سياق حربي، بل بعد قصة قتل أخٍ لأخيه.
مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا
«وأنه من امتنع عن قَتْل نفس حرَّمها الله فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ فالحفاظ على حرمة إنسان واحد حفاظ على حرمات الناس كلهم.» (5:32)
والإكراه في الاعتقاد مسدود من الأصل:
لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ
«فالدلائل بينة يتضح بها الحق من الباطل، والهدى من الضلال.» (2:256)
وحتى حين يقتتل المؤمنون فالأمر الأول ليس القتال بل الإصلاح:
وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا
«وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا فأصلحوا -أيها المؤمنون- بينهما» (49:9)
(تأويل) آية 5:32 ترفض أن يكون القتل الظالم مسألة عدد: فهي تعادل بين نفس واحدة والناس جميعًا. وبضمّها إلى 2:256 يظهر أن تغيير معتقد الناس لا يصلح أن يكون غاية للقتال، لأن الاعتقاد مجالٌ مغلق أمام الإكراه. أما 49:9 فتطبّق المبدأ نفسه داخل الجماعة: لا حياد في النزاع، بل إصلاح بالعدل.
ملاحظة في الجذر والكلمة
الأعداد التالية محسوبة من التحليل الصرفي كلمةً كلمةً في قاعدة بيانات المشروع (القرآن كاملًا: 6236 آية، 77429 كلمة).
| الجذر | عدد الكلمات في القرآن | مثال في هذه المقالة |
|---|---|---|
| ق-ت-ل | 170 | 2:190 وَقَـٰتِلُوا۟ · 2:191 وَٱقْتُلُوهُمْ |
| س-ل-م | 140 | 8:61 لِلسَّلْمِ · 4:90 ٱلسَّلَمَ · 4:94 ٱلسَّلَـٰمَ |
| ع-د-و | 106 | 2:190 تَعْتَدُوٓا۟ · ٱلْمُعْتَدِينَ |
| ج-ن-ح | 34 | 8:61 جَنَحُوا۟ · فَٱجْنَحْ |
| ق-س-ط | 25 | 60:8 وَتُقْسِطُوٓا۟ · ٱلْمُقْسِطِينَ |
| ح-ر-ب | 11 | 47:4 ٱلْحَرْبُ |
ثلاث ملاحظات تنبثق من هذا العدّ مباشرة:
١. «قاتِلوا» و«اقتُلوا» صيغتان من جذر واحد. ففي 2:190 صيغة المفاعلة الدالة على المقابلة، وفي 2:191 صيغة الثلاثي المجرد. جذر واحد، ومستويان مختلفان من الفعل.
٢. جذر «ح-ر-ب» لا يرد إلا في إحدى عشرة كلمة في القرآن كله — خمس منها بمعنى المحراب والمحاريب، أي مكان العبادة أو الغرفة (3:37، 3:39، 19:11، 34:13، 38:21)، لا الحرب. والمعنى الحربي في ستة مواضع (2:279، 5:33، 5:64، 8:57، 9:107، 47:4). في المقابل يرد جذر «س-ل-م» في 140 كلمة.
٣. في 4:94 يتكرر الأمر بالتبيّن مرتين داخل الآية الواحدة، وتكرار الأمر في آية واحدة مؤشر على ثقله.
قراءات مختلفة
(تأويل) تتنازع هذه المجموعةَ من الآيات ثلاث قراءات على الأقل، ولا تعتبر هذه المقالة إحداها «الحقيقة الوحيدة».
قراءة دفاعية. لأن الإذن (22:39) معلَّق بظلم واقع، ولأن الحدّ (2:190) موضوع داخل الأمر نفسه، ولأن شرط الكفّ (2:192، 8:61) مكرَّر، فمشروعية القتال قائمة كلها على ردّ الاعتداء. وعلى هذه القراءة تكون 60:8 و4:90 بيانًا للقاعدة لا استثناءً منها.
قراءة سياقية. آيتا 2:191 و47:4 تعليمات عملية لنزاع بعينه، لا مبدأ عام في العلاقات. وهنا يكون «حيث ثقفتموهم» في 2:191 مقيَّدًا بموضوعه: الذين يقاتلونكم فعلًا.
قراءة توسعية. قُرئ قوله «ويكون الدين لله» في 2:193 على أنه يمدّ غاية القتال إلى ما وراء الدفاع. وأكبر ما يواجه هذه القراءة داخل النص هو شطر الآية نفسها: «فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين»، مع قوله في 2:256 «لا إكراه في الدين».
ملاحظة لغوية. يدور جزء كبير من الخلاف حول كلمة «فتنة»: أتُفهم اضطهادًا وأذًى، أم كفرًا وشركًا؟ والفرق يغيّر مباشرةً نطاق 2:193. والقرآن نفسه يستعمل الكلمة في مدى يمتد من الابتلاء إلى القهر، فحصرها في معنى اصطلاحي واحد يجافي استعمالها فيه.
حدّ الأمانة
ما هو قطعي في النص: الإذن بالقتال معلَّق على سبب (22:39)؛ «ولا تعتدوا» في الجملة نفسها التي فيها الأمر بالقتال (2:190)؛ الردّ مقيَّد بالمِثل (2:194، 16:126)؛ العداوة تنتهي بكفّ الطرف الآخر (2:192، 2:193)؛ الجنوح إلى السلم مأمور به (8:61)؛ لا سبيل على غير المقاتل وطالب السلم (4:90، 60:8)؛ لا حكم عجولًا على من ألقى السلم (4:94)؛ الأسير يُطلق منًّا أو فداءً (47:4)؛ لا إكراه في الدين (2:256).
ما يبقى للتأويل: نطاق «الفتنة» و«الدين» في 2:193؛ وهل 2:191 خطاب لنزاع محدد أم قاعدة عامة؛ وهل الخياران في 47:4 حاصران أم مثالان؛ وفي أي حال يسقط السلم المعقود وفق 8:61؛ وإلى أي مدى تنطبق المفاهيم القانونية الحديثة (الدفاع عن النفس، التناسب، حصانة المدنيين) على هذه الآيات.
ما ليست هذه المقالة: ليست حكمًا على نزاع قائم، وليست فتوى، ولا تبني نظرية في قانون الحرب. هي عرضٌ لبنية «السبب — الحدّ — النهاية» داخل النص القرآني نفسه.
الخلاصة: الحرب في القرآن استثناء يحدّ نفسه بنفسه: إذنها معلَّق بظلم، ومقدارها بالمِثل، ونهايتها بكفّ الخصم. والكلمات الثلاث التي يلحّ عليها النص — «ولا تعتدوا»، «فإن انتهوا»، «فاجنح لها» — تدلّ على أن القتال ليس مركز الحكاية بل قوسٌ يُراد إغلاقه. وما خارج هذا القوس يصفه لسان 60:8: برٌّ وقسط تجاه من لم يقاتلكم.
المصدر: آيات القرآن الكريم (التفسير الميسّر في النسخة العربية، وترجمة م. أوكويان في النسخة التركية). قرآني المنهج، فوق المذاهب، موثّق.