الدعوى/السؤال: "النصّ الذي يقول: 'والجبال أوتادًا' (78:7) أمامه طريقان لا ثالث لهما. إمّا أنّه يكرّر تصوّر عصره عن الأرض — وحينئذٍ يكون القرآن مخالفًا للعلم: فليس ثمّة ظاهرةٌ اسمها جبالٌ تُدَقّ في الأرض كأوتاد الخيمة فتُمسك الكوكب في مكانه؛ بل على العكس، أعظم السلاسل الجبليّة في العالم تنطبق على أشدّ النطاقات نشاطًا زلزاليًّا. وإمّا أن يُقرأ في الآية ما نعرفه اليوم من التوازن القشريّ (الأيزوستازي) وحركة الصفائح — وهذا ليس تعظيمًا للنصّ بل محاولة إنقاذٍ له: أن تُحمّل صورةَ وتدِ خيمةٍ في عربيّة القرن السابع معنى 'جذر القشرة القاريّة في الوشاح' هو أن تُنطق النصَّ بما تعلّمناه بعده. ثمّ إنّ قوله 'أن تميد بكم' (16:15) دعوى آليّةٍ صريحة: الأرض مضطربة والجبال تثبّتها. وهذه الدعوى غير صحيحة."
هذا الاعتراض يستحقّ جوابًا جادًّا؛ لأنّه يشخّص الطرفين تشخيصًا صحيحًا: فالقراءة القائلة "أخبر القرآن بحركة الصفائح" والقراءة القائلة "إذن النصّ مخالفٌ للعلم" تشتركان في افتراضٍ واحد — أنّ الآية تقرّر آليّة. وهذه المقالة تصنع شيئًا ثالثًا: تضع الآيات كاملةً أوّلًا، ثمّ تُحصي الجذور الثلاثة في استعمال القرآن نفسه، ثمّ تفصل ما هو للنصّ عمّا هو للقارئ.
ماذا يقول القرآن؟
الآيتان اللتان يقوم عليهما الاعتراض هما مطلع تعدادٍ للنِّعم:
أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ مِهَـٰدًا وَٱلْجِبَالَ أَوْتَادًا
"ألم نجعل الأرض ممهدة لكم كالفراش؟ والجبال رواسي؛ كي لا تتحرك بكم الأرض؟" (78:6-7)
ثمّ تمضي السورة نفسها في التعداد: النوم، والليل، والنهار، والسبع الشداد، والسراج الوهّاج، والماء، والجنّات. فالسياق ليس درسًا في الكونيّات، بل دعوةٌ إلى إحصاء ما أُعطيتَه.
وإلى جانب "الأوتاد"، فاللفظ الذي يحمل هذا المعنى حقًّا هو "الرواسي". ويأتي في ثلاث آياتٍ مقرونًا بالتعليل نفسه — "أن تميد بكم / بهم":
وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَـٰرًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
"وأرسى في الأرض جبالا تثبتها حتى لا تميل بكم، وجعل فيها أنهارًا؛ لتشربوا منها، وجعل فيها طرقًا؛ لتهتدوا بها في الوصول إلى الأماكن التي تقصدونها." (16:15)
وَجَعَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
"وخلقنا في الأرض جبالا تثبتها حتى لا تضطرب، وجعلنا فيها طرقًا واسعة؛ رجاء اهتداء الخلق إلى معايشهم، وتوحيد خالقهم." (21:31)
خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
"خلق الله السموات، ورفعها بغير عمد كما تشاهدونها، وألقى في الأرض جبالا ثابتة؛ لئلا تضطرب وتتحرك فتفسد حياتكم..." (31:10)
ويأتي اللفظ نفسه من دون هذا التعليل؛ وحيثما جاء كان إلى جانبه ماءٌ أو سبيلٌ أو رزقٌ أو بركة:
وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ شَـٰمِخَـٰتٍ وَأَسْقَيْنَـٰكُم مَّآءً فُرَاتًا
"...وجعلنا فيها جبالا ثوابت عاليات؛ لئلا تضطرب بكم، وأسقيناكم ماءً عذبًا سائغًا؟" (77:27)
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ
"وجعل سبحانه في الأرض جبالا ثوابت من فوقها، وبارك فيها فجعلها دائمة الخير لأهلها، وقدَّر فيها أرزاق أهلها من الغذاء..." (41:10)
أَمَّن جَعَلَ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَـٰلَهَآ أَنْهَـٰرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
"...أم الذي جعل لكم الأرض مستقرًا وجعل وسطها أنهارًا، وجعل لها الجبال ثوابت، وجعل بين البحرين العذب والملح حاجزًا حتى لا يُفسد أحدهما الآخر؟" (27:61)
وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَـٰرًا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
"وهو سبحانه الذي جعل الأرض متسعة ممتدة، وهيأها لمعاشكم، وجعل فيها جبالا تُثبِّتُها وأنهارًا لشربكم ومنافعكم..." (13:3)
ومجموعةٌ ثالثة تعرض المشهد نفسه بصيغة الفعل:
وَٱلْجِبَالَ أَرْسَىٰهَا
"...وأثبت فيها الجبال أوتادًا لها." (79:32)
وَإِلَى ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ
"...وإلى الجبال كيف نُصبت، فحصل بها الثبات للأرض والاستقرار؟" (88:19)
والنصّ نفسه يقول إنّ هذه الجبال ليست باقية:
وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
"ونسفت الجبال بعد ثبوتها، فكانت كالسراب." (78:20)
وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ
"وترى الجبال تظنها واقفة مستقرة، وهي تسير سيرًا حثيثًا كسير السحاب الذي تسيِّره الرياح..." (27:88)
الجذور: كيف يستعمل القرآن ألفاظه؟
الأعداد التالية محسوبةٌ من فهرس الكلمات والجذور لنصّ القرآن، وليست تقديرًا.
| الجذر | مجموع وروده في القرآن | المواضع |
|---|---|---|
| و ت د | 3 | 78:7 (أوتادًا)، و38:12 و89:10 (ذو الأوتاد) |
| ر س و | 14 | منها 9 على صيغة "رواسي": 13:3، 15:19، 16:15، 21:31، 27:61، 31:10، 41:10، 50:7، 77:27 |
| م ي د | 5 | منها 3 "تميد" (16:15، 21:31، 31:10)، و2 "مائدة" (5:112، 5:114) |
وهذه السطور الثلاثة تغيّر معجم الاعتراض نفسه.
أوّلًا. "الأوتاد" وردت ثلاث مرّات، واحدةٌ منها فقط في الجبال؛ والأخريان وصفٌ لفرعون:
"...صاحب الجنود الذين ثبَّتوا مُلْكه، وقوَّوا له أمره؟" (89:10)
فـ"الوتد" ليس مصطلحًا جيولوجيًّا، بل لفظٌ من معجم الخيام والمعسكرات: شيءٌ يُدَقّ ليُمسك شيئًا آخر. والشيء نفسه يُستعمل مرّةً لتوازن الأرض ومرّتين لقبضة جبّارٍ على مُلكه.
ثانيًا. لفظ "الرواسي" ليس فيه "جبل". ومعنى الجذر: أن يستقرّ الشيء في موضعه، وأن تُلقى المراسي، وأن يثبت. ولذلك جاء الجذر نفسه في القرآن لمرسى السفينة (11:41)، ولوقت "مرسى" الساعة (7:187، 79:42)، وللقدور التي لا تُنقل من ثقلها (34:13، "راسيات"). ومن هنا جاءت ترجمة م. أوكويان التركيّة لـ"رواسي" بـ"أثقالٍ راسخة" لا بـ"جبال"؛ فقراءة "الجبال" تضيف طبقة تأويل. أمّا لفظ "الجبال" نفسه فيصرَّح به في مثل 78:7 و79:32 و88:19.
ثالثًا. جذر "تميد" معناه اضطراب الشيء العظيم وميلانه — أي عدم الاستقرار، لا الزلزال بالضرورة. ومن الجذر نفسه "المائدة" (5:112، 5:114): الطبق الذي يُوضع عليه الطعام. فقوله "أن تميد بكم" ليس قضيّةً في علم الزلازل، بل جملةٌ في صلاحيّة الأرض للسكنى: "كي لا يميل بكم ما تحتكم". وقوله في آخرها "بكم" يدلّ على ذلك: فالمقياس ليس الأرض في ذاتها، بل حال من يعيش عليها.
ماذا نتعلّم؟
(تأويل) للآيات نحوٌ مشترك: كلّ جملةٍ فيها "رواسي" يتبعها أنهارٌ وسبلٌ ورزقٌ ودوابُّ وأزواجٌ وبركةٌ وماءٌ فرات (16:15، 21:31، 31:10، 41:10، 27:61، 77:27، 13:3). فموضوع هذه الجمل ليس آليّةً بل نعمة. لا يقول النصّ "الجبال تفعل كذا بكذا"، بل يقول: "هذا النظام أُقيم لكم، أفلا تنتبهون؟" وليس من باب المصادفة أن تأتي 78:6-7 استفهامًا، وأن تكون 88:19 داخل سياق "أفلا ينظرون؟".
(تأويل) ولهذا فإنّ قراءة "الإخبار بالأيزوستازي" تُنطق النصَّ بما لم يقله. ليس في القرآن قشرةٌ قاريّة ولا وشاحٌ ولا فرقُ كثافةٍ ولا عمقُ جذرٍ ولا صفيحة؛ إنّما فيه أداة التثبيت التي يعرفها ناصبُ الخيمة خير معرفة. وبالقدر نفسه، فإنّ قراءة "إذن هو مخالفٌ للعلم" تردّ دعوى لم يُقِمها النصّ: فالآليّة إضافةُ القارئ لا محمولُ الآية.
(تأويل) والنصّ يعطي أيضًا مقياسه في مقدار "ثبات" هذه الجبال. ففي 27:88 تصريحٌ بأنّك تحسبها جامدة؛ وفي 78:20 و20:105 أنّ هذه الجبال نفسها ستُنسف. فالثبات ليس صفةً مطلقة بل نظامٌ مُعطًى قابلٌ للرفع. ولو كانت دعوى آليّة لتناقضت هذه الجمل؛ وأمّا حين تكون خبرَ نعمةٍ وزوالٍ فلا تناقض.
قراءات مختلفة
(تأويل) القراءة اللغويّة الأدبيّة. الوتد وتد الخيمة، والرواسي ما ألقى مراسيه، والميد الميلان. وهي مجتمعةً تبني صورة استقرارٍ من أشياء يعرفها مخاطَبٌ بدويّ. قوّتها: لا يُتعسَّف على لفظ. وحدّها: أنّها تترك سؤال "أهو صحيحٌ فيزيائيًّا؟" خارجًا عن قصدها.
(تأويل) القراءة التوفيقيّة. الجزء المدقوق من الوتد لا يُرى، وللجبال كذلك جذورٌ تمتدّ في القشرة؛ فصورة "الأوتاد" مصيبة. قوّتها: أنّ النصف الخفيّ العميق من التشبيه موجودٌ فعلًا. وحدّها: أنّ إصابة التشبيه ليست إخبارًا بالآليّة؛ ثمّ إنّ تحويل "أن تميد بكم" إلى دعوى منعِ الزلازل ينقل النصّ إلى موضعٍ لا يُدافَع عنه.
(تأويل) القراءة التاريخيّة النقديّة. يتكلّم النصّ داخل تصوّر مخاطَبِه عن الأرض؛ وصورة الوتد والخيمة صورةُ ذلك العالم. قوّتها: تفسّر لماذا اختيرت هذه الألفاظ بعينها. وحدّها: أنّ التكلّم بلغة المخاطَب غير إقرار كونيّاته؛ فمحمول الآية ليس وصفًا بل سؤالٌ ودعوةٌ إلى الشكر.
(تأويل) القراءة التقليديّة. الجبال تحفظ توازن الأرض فعلًا، والآية تُخبر بذلك. قوّتها: أقرب القراءات إلى ظاهر الجملة. وحدّها: أنّ جعل الظاهر قضيّةً في قوانين الطبيعة يوقعها في توتّرٍ مع 27:88 و78:20 من النصّ نفسه.
الحدّ الأمين
ما يقطع به النصّ: يسمّي القرآن الجبال "أوتادًا" (78:7) و"رواسي" (13:3، 15:19، 16:15، 21:31، 27:61، 31:10، 41:10، 50:7، 77:27)؛ ويقرن ذلك ثلاث مرّاتٍ بتعليل "أن تميد بكم/بهم" (16:15، 21:31، 31:10)؛ وتقع هذه الجمل في كلّ مرّةٍ داخل تعدادٍ للماء والسبل والرزق؛ والنصّ نفسه يخبر بنسف الجبال (78:20، 27:88). والأعداد أيضًا مقطوعٌ بها: "وتد" 3، و"رسو" 14، و"ميد" 5.
ما يبقى للتأويل: هل تُلمِح صورة "الأوتاد" إلى جذرٍ ممتدٍّ تحت السطح. وهل "الميد" زلزالٌ أم عدم استقرارٍ عامّ أم ميلانٌ آخر. وهل تُخبر الآية بآليّةٍ أصلًا — ورأي هذه المقالة أنّها لا تُخبر، لكنّه رأيٌ لا لفظُ آية.
ما ليست هذه المقالة: ليست دعوى أنّ القرآن أخبر بحركة الصفائح، ولا حكمًا بأنّ القرآن أخطأ ههنا. وكلتاهما تُحمّل النصَّ جوابَ سؤالٍ لم يُطرح عليه.
الخلاصة: المقيس في هذه الآيات ليس شكل الأرض ولا ميكانيكاها، بل صلاحيّتها للعيش: الأرض قارّة، والماء فرات، والسبل مسلوكة، والرزق مقدَّر. فـ"الوتد" ليس مصطلحًا جيولوجيًّا بل أداة التثبيت التي يعرفها ساكن الخيمة، و"الرواسي" ما ألقى مراسيه، و"الميد" الميلان والاضطراب. وتحويل جملةٍ مبنيّةٍ بهذا المعجم إلى إعلانٍ علميٍّ أو إلى خطأٍ علميٍّ وجهان لخطأٍ واحد. وما تطلبه الآية من مخاطَبها ليس علمًا بآليّة، بل فعلَ نظر: أفلا ينظرون إلى الجبال كيف نُصبت؟
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات القرآن الكريم (بترجمة م. أوكويان بالتركيّة، والتفسير الميسّر بالعربيّة). تُعرَض مع الفصل بين النصّ والتأويل؛ وليست فتوى فقهيّة.