السؤال/الدعوى: «يروي القرآن آدم كائنًا فردًا خُلِق مباشرةً من الطين/التراب، بلا أبٍ ولا سلف: 'إني خالقٌ بشرًا من طين… ونفختُ فيه من روحي' (٣٨:٧١-٧٢). وهذا يعارض صراحةً فكرة تطوّر الإنسان عن نوعٍ آخر. والقراءةُ التي تُثبت لآدم سلفًا بيولوجيًّا تُجهد ظاهرَ النصّ وتشبيهَ ٣:٥٩: 'كمثل آدم… خلقه من تراب'.»
السياق
لنفصل أولًا ما يقوله النصّ عمّا لا يقوله. يصف القرآن مادةَ الإنسان مرارًا بمعجم التراب/الطين: سُلالةٍ من طين (٢٣:١٢)؛ تراب (٣:٥٩)؛ طين (٣٢:٧؛ ٣٨:٧١)؛ صلصالٍ من حمإٍ مسنون — 'طينٍ يابسٍ ذي صلصلةٍ من حمإٍ مُشكَّل مُنتِن' (١٥:٢٦). والذي تُلحّ عليه هذه الآيات هو مادّة الأصل — لا جدولٌ زمني ولا منهجٌ بيولوجي.
ما يُقرّره النصّ قطعًا: (أ) أنّ أصل الإنسان الماديّ من الأرض؛ (ب) أنّ الخلق يُروى في مراحل — 'ولقد خلقناكم ثمّ صوّرناكم' (٧:١١)؛ 'ثمّ سوّاه ونفخ فيه من روحه' (٣٢:٩)؛ (ج) أنّ في نهاية العملية طفرةً نوعية: بعد نطفةٍ فعلقةٍ فمضغةٍ فعظامٍ فلحم، 'ثمّ أنشأناه خلقًا آخر' (٢٣:١٤). وما لا يُقرّره النصّ: كم استغرق الخلق من السنين، وهل وُجدت صورٌ وسطى، وهل كان الانتقال من 'الطين' إلى 'البشر' فوريًّا أم تدريجيًّا.
قراءتان
يملأ هذا الفراغ تقليدان كبيران بشكلين مختلفين؛ نعرضهما بأسمائهما، بتعدّد الأصوات.
القراءة الكلاسيكية / الخلق المباشر (الطبري، ابن كثير، الرازي وخطّ الماتريدية، المودودي). يقرأ هذا الخطّ 'صلصالٍ من حمإٍ مسنون' (١٥:٢٦) بوصفه مراحلَ المادة الملموسة لبدن آدم نفسه؛ فآدم عُجِن من الطين مباشرةً، بلا سلف، وجُعِل 'إنسانًا' بنفخ الروح. واللافت أنّ ابن كثير يقرأ مراحلَ النطفة والعلقة والمضغة في ٢٣:١٤ بوصفها التطوّرَ الرحميّ لـذرّية آدم لا آدمَ نفسه. و'إني خالقٌ بشرًا من طين… ونفختُ فيه من روحي' (٣٨:٧١-٧٢)، مع أمر الملائكة بـالسجود، دليلٌ هنا على خلق آدم الخاصّ/المُعجِز. ويُضاف إليه لسانُ الاصطفاء في القرآن: 'إنّ الله اصطفى آدم…' (٣:٣٣). (تأويل) وفي هذا الإطار آدم أوّلُ إنسانٍ وأوّلُ نبيّ، ويُرفض عمومًا انحدارُه عن نوعٍ آخر.
القراءة القرآنية‑المركز / التمييز بين المقولات (الأكاديمية وخطّ محمد أوكويان). ترى هذه القراءة أنّ النصّ لا يُعطي صراحةً مدةَ الخلق ولا منهجَه البيولوجي، فلا تعارضَ لازمًا مع التطوّر (تأويل). وأدلّتها: (١) البناءُ التدريجيّ في ٢٣:١٢-١٤، إذ يبدأ 'من سلالةٍ من طين' وينتهي بـ'خلقٍ آخر' (خلقًا آخر)؛ (٢) الآية ٧١:١٧ 'واللهُ أنبتكم من الأرض نباتًا' — صورةُ نموٍّ عضويّ تدريجي؛ (٣) تسلسلُ 'خلقنا ثمّ صوّرنا ونفخ الروح' في ٧:١١ و٣٢:٧-٩، المفتوحُ لقراءةٍ زمنية/مرحلية (تأويل). والنقطةُ التي يُنقَل أنّ أوكويان يُلحّ عليها: أنّ اسم 'آدم' لا يَرِد في آيات التسوية ونفخ الروح؛ ومن ذلك يُستنتَج أنّ آدم قد يكون أوّلَ إنسانٍ واعٍ مسؤول اصطُفِيَ من نوعٍ/جماعةٍ سُوِّيت ونُفِخ فيها الروح (تأويل). وفي مقاربة 'التطوّر الموجَّه/التوحيدي' يكون التطوّرُ عمليةً طبيعيةً ثانوية، والله سببها الأوّل وخالقها: العلمُ يجيب عن 'كيف'، والقرآنُ عن 'لماذا/مَن' — تمييزٌ بين مقولتين (تأويل).
والآية ٣:٥٩ هي بالضبط موضعُ الافتراق: يَعُدّها الخطُّ الكلاسيكيّ تشبيهًا/إعجازًا موازيًا بين ميلاد عيسى بلا أب وخلقِ آدم بلا أب؛ بينما يقرؤها الخطُّ القرآنيُّ‑المركز لا بوصفها آليةَ نشوءِ نوع، بل تشبيهًا يصف بدايةً خارقة (تأويل).
حدٌّ أمين
الجانبُ المحقّ من الاعتراض واضح: فالسردُ الظاهر للنصّ يقدّم آدم فردًا مصطفًى مخلوقًا مباشرةً من 'التراب/الطين' بلا سلف؛ وخلقُ 'بشرٍ' في ٣٨:٧١-٧٢، ونفخُ الروح، وسجودُ الملائكة، تُعطي ظاهرًا قويًّا لصالح الخلق الخاصّ/المُعجِز. ومنطقُ ٣:٥٩ خاصّةً قائمٌ على موازاة عيسى‑آدم؛ والقراءةُ التي تُثبت لآدم سلفًا بيولوجيًّا قد تُضعِف هذا التشبيه — ولهذا يَنتقد الناقدون أوكويان في هذه النقطة بـ'كان لآدم أبٌ / آدمُون متعدّدون'.
وفي جانب العلم توتّرٌ حقيقيّ أيضًا: الفجوةُ بين الانحدار من زوجٍ واحد (وحدةُ الأصل) وبين ما تراه وراثةُ الجماعات من أنّ 'البشرية تقوم على جماعةٍ لا تقلّ عن بضعة آلاف'، لا تحلّها لا نظريةُ التطوّر ولا الآيةُ وحدها؛ وتبقى مسألةً تُعالَج على المستوى التأويلي/اللاهوتي (وهذا تلخيصٌ لنقاشٍ علميّ خارجَ النصّ الديني).
القطعيّ في النصّ: أنّ أصل الإنسان من الأرض، وأنّ العملية تُروى في مراحل، وأنّها تنتهي بـ'خلقٍ آخر'. والمُختَلَفُ فيه تأويلًا: أكانت تلك المراحلُ فوريةً أم تدريجية، وهل يدلّ 'خلقًا آخر' على طفرةٍ نوعيةٍ تطوّرية (وهذا تأويل لا إجماعُ تفسير)، وهل يجوز نسبةُ عمليةٍ سابقة إلى آدم. وبأمانة: كلا الطرفين ينتقي من النصّ؛ والحكمُ القاطع بـ'يتعارض / لا يتعارض' ينشأ لا من النصّ نفسه بل من الإطار التأويلي المُتبَنّى. وإلصاقُ علم الأجنّة/التطوّر الحديث بالآية (عدُّ ٢٣:١٤ 'إعجازًا علميًّا') ورفضُ التطوّر جملةً، كلاهما قد يكون مفارقةً تاريخية: فالنصّ يخاطب مُخاطَبَ القرن السابع بلسانٍ ذي معنًى له، ولا يقصد تعليمَ الأحياء الحديثة (تأويل).
مقالات ذات صلة
- هل يقوم القرآن على العقل؟ — تأكيدُ العقل
- لماذا لا توجد معجزةٌ ظاهرة؟
- هل القرآن كافٍ بذاته؟
- مشكلة الشرّ: لماذا يسمح إلهٌ صالح بالألم؟
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.