← الدعوى والدليل

من أين جاءت أعداد ركعات الصلاة؟

الدعوى/السؤال: «القرآن يأمر بالصلاة، بل يذكر أوقاتها وقبلتها وما يفعله البدن فيها ومقدار رفع الصوت. لكنه لا يذكر شيئًا واحدًا: عدد الركعات. ولا تصح الصلاة دون معرفة العدد. إذن القرآن لا يكفي وحده، ودعوى «تبيان كل شيء» تنهار عند أول عبادة».

لا يعيد هذا المقال بحث كيفية الصلاة كاملة، بل يقتصر على مسألة العدد وحدها: لماذا غاب عدد الركعات عن النص، وماذا تعني هذه الغيبة، وهل يلزم أن تُقرأ نقصًا؟

ماذا يقول القرآن؟

إطار الصلاة مرسوم في النص بوضوح. الأوقات محددة:

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ

«وأدِّ الصلاة -أيها النبي- على أتمِّ وجه طَرَفَي النهار في الصباح والمساء، وفي ساعات من الليل.» (11:114)

أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ

«أقم الصلاة تامة من وقت زوال الشمس عند الظهيرة إلى وقت ظلمة الليل،» (17:78)

ويُشار كذلك إلى أن الصلوات مجموعة معدودة مرتبة — فاللفظ جمع، وواحدة منها موصوفة بأنها «الوسطى»:

حَـٰفِظُوا۟ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ

«وقوموا في صلاتكم مطيعين لله، خاشعين ذليلين.» (2:238)

والقبلة معيَّنة:

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ

«وفي أي مكان كنتم -أيها المسلمون- وأردتم الصلاة فتوجهوا نحو المسجد الحرام.» (2:144)

وأفعال البدن مذكورة:

ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

«اركعوا واسجدوا في صلاتكم، واعبدوا ربكم وحده لا شريك له، وافعلوا الخير؛ لتفلحوا،» (22:77)

بل حتى مقدار الصوت منظَّم:

وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا

«ولا تجهر بالقراءة في صلاتك، فيسمعك المشركون، ولا تُسِرَّ بها فلا يسمعك أصحابك، وكن وسطًا بين الجهر والهمس.» (17:110)

وهنا الموضع اللافت. النص يفترض أن للصلاة مقدارًا، ولا يكتب ذلك المقدار. أولًا تُربط الصلاة بأوقات مكتوبة:

إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا

«فإنها واجبة في أوقات معلومة في الشرع.» (4:103)

ثم يُخبَر بجواز قصرها:

فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ

«فلا حرج ولا إثم عليكم في قصر الصلاة إن خفتم من عدوان الكفار عليكم في حال صلاتكم،» (4:101)

ثم تُقسَّم الصلاة في حال الخوف بين طائفتين:

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ

«فلتقم جماعة منهم معك للصلاة، وليأخذوا سلاحهم، ... ثم تأتي الجماعة الأخرى التي لم تبدأ الصلاة فليأتموا» (4:102)

وهذا الأسلوب نفسه في عبادات أخرى. الطواف مأمور به دون ذكر عدد الأشواط:

وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ

«وليوفوا بما أوجبوه على أنفسهم من الحج والعمرة والهدايا، وليطوفوا بالبيت العتيق» (22:29)

والسعي بين الصفا والمروة مشروع دون ذكر عدد:

إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا

«إن الصفا والمروة- وهما جبلان صغيران قرب الكعبة من جهة الشرق- من معالم دين الله الظاهرة التي تعبَّد الله عباده بالسعي بينهما.» (2:158)

وفي المقابل، الكتاب يصف نفسه وصفًا قويًّا:

وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ

«وقد نَزَّلْنا عليك القرآن توضيحًا لكل أمر يحتاج إلى بيان،» (16:89)

مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ

«ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئًا إلا أثبتناه،» (6:38)

ماذا نتعلم؟

(تفسير) أولًا قياس لفظي. جذر ص-ل-و الذي يسمّي الصلاة يرد في 99 كلمة ضمن 90 آية، وجذر س-ج-د الذي يسمّي السجود يرد في 92 كلمة ضمن 81 آية. أما جذر ر-ك-ع الذي يسمّي الركوع فيرد في 13 كلمة فقط ضمن 10 آيات — وجميع هذه الثلاث عشرة كلمة أفعال أو أسماء فاعل: «اركعوا»، «الراكعين»، «راكعًا». فالنص يعرف الركوع فعلًا، لا وحدة عدّ. ولفظ «ركعة» بوصفه اسمًا لمقطع مقدَّر من الصلاة لا يرد في القرآن أصلًا. فالشق الواقعي من الاعتراض صحيح، ولا فائدة في إخفائه.

(تفسير) لكن الشق الثاني من الواقعة يُهمَل غالبًا: النص لا يفترض غياب المقدار بل يفترض وجوده. ففي (4:101) يُقال إنه لا جناح في «قصر الصلاة». والقصر لا يكون كلامًا ذا معنى إلا إذا كان هناك مقدار معلوم يُقصَر منه؛ فما لا نصف له لا يُنصَّف. وكذلك في (4:102) تُقسَّم الصلاة بين طائفتين، والقسمة تقتضي أن تكون مقاطع مقدَّرة. فالنص يخاطب قومًا يفترض أنهم يعرفون المقدار سلفًا.

(تفسير) وهذا أقرب إلى أسلوب خطاب منه إلى فجوة نصية. فالقرآن يتكلم في وسط عبادة قائمة تُؤدَّى بالفعل؛ لا يكتب دليل استعمال للعبادة، بل ينظّم عبادة جارية ويصحّحها ويرسم حدودها. ومن هنا جاء جمع «الصلوات» ووصف «الوسطى» في (2:238): لا عدد مصرَّح به، ومع ذلك يُفترض أنها معدودة.

(تفسير) ثالثًا: هذا أسلوب مطّرد، لا حادثة خاصة بالصلاة. الطواف مأمور به بلا عدد (22:29)، والسعي مشروع بلا عدد (2:158)، والصوم مأمور به بأيام معلومة دون تفصيل دقائقه. القرآن يكتب ما يُفعل ولماذا يُفعل، ويترك سؤال كم مرة للتطبيق في الأغلب.

(تفسير) فماذا عن (16:89) «تبيانًا لكل شيء» و(6:38) «ما فرّطنا في الكتاب من شيء»؟ نطاق هاتين العبارتين في سياقهما هو مجال الأحكام والهداية: ما يجب وما يحرم وما هو ميزان الأمر، وإلى أين يسير الإنسان. بل إن (6:38) ترد في سياق أمم الدواب والطير، والمقصود بـ«الكتاب» فيها موضع بحث بذاته. أما قراءة «تبيان كل شيء» بمعنى «تدوين كل تفصيل من كل تطبيق» فهي توسعة يأتي بها انتظار القارئ لا النص.

قراءات مختلفة

(تفسير) الأجوبة عن مصدر العدد ليست واحدة، وأشهرها:

القراءة القائمة على التطبيق. انتقل العدد بعمل جماعي متصل غير منقطع — بالسلوك لا بالكتابة. وعلى هذه القراءة تأتي وثاقة الخبر لا من آحاد النقول بل من ممارسة جماعة كاملة له كل يوم وفي كل مكان بلا انقطاع. وهذه القراءة لا تجعل العدد مصدرًا منافسًا للقرآن، بل حاملًا للمقدار الذي يفترضه النص. والقرآن نفسه يشير إلى الأسوة:

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

«لقد كان لكم -أيها المؤمنون- في أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله قدوة حسنة تتأسون بها،» (33:21)

القراءة اللغوية. لمّا كان النص يعطي الركوع فعلًا، فإن «الركعة» اسم تكرار لا اسم وحدة؛ والعدد ناشئ عن تنظيم العبادة لا عن طبيعتها. وعلى هذه القراءة يكون سؤال العدد سؤالًا موجَّهًا إلى نص لم يفتح هذا الباب أصلًا.

قراءة الاكتفاء بالقرآن. ما لم يرد في النص فليس ملزِمًا؛ والمطلوب أداء دورة القيام والقراءة والركوع والسجود في وقتها، أما عدد التكرار فمتروك للتنظيم والاختيار. قوّة هذه القراءة وفاؤها للنص، وضعفها أنها لم تُنتج في الواقع ممارسة جماعية في أي عصر.

القراءة النقدية/الأكاديمية. نظام الركعات تقنين تدريجي لممارسة الجماعة الأولى؛ والنص لا يؤسّس هذا التقنين ولا يمنعه، بل يعطي الإطار فحسب. وهذه القراءة ترى العدد مأسسة مشروعة لا أمرًا إلهيًّا منصوصًا.

(تفسير) تشترك القراءات الأربع في الواقعة نفسها — غياب العدد عن النص — وتفترق في معنى هذا الغياب. والترجيح بينها ناشئ عن تصوّر المرء لمصادر المعرفة الدينية أكثر منه عن قراءة النص، وهذا المقال لا يقوم بذلك الترجيح.

الحدّ الأمين

المقطوع به في النص: الصلاة مأمور بها؛ ومربوطة بأوقات (11:114، 17:78، 4:103)؛ وقبلتها معيَّنة (2:144)؛ وفيها ركوع وسجود (22:77)؛ وفيها قراءة بصوت منظَّم (17:110)؛ وتُقصَر في السفر (4:101)؛ وتُقسَّم عند الخوف (4:102). أما عدد الركعات فهو غير موجود في النص — وهذه واقعة لا خلاف فيها.

المتروك للاجتهاد: ما حقيقة هذا الغياب. أنقصٌ هو، أم إحالة على المخاطَب، أم مرونة مقصودة؟ وما درجة إلزام الممارسة الحاملة للعدد؟ وإلى أين يمتد نطاق «تبيان كل شيء»؟ لا يخرج شيء من ذلك من النص بجواب واحد ملزِم.

ما ليس هذا المقال: ليس فتوى، ولا يقول لأحد صلِّ كذا ركعة أو لا تصلِّ. ولا يحاول تحديد العدد الصحيح. إنما يبيّن موضع العدد من النص، وما القراءات التي تشغل الموضع الذي لم يرد فيه.

الخلاصة: عدد الركعات ليس في القرآن؛ ومع ذلك فإن وجود مقدار مفترض بوضوح فيما يقوله القرآن عن الصلاة — فرخصة القصر وصلاة الخوف المقسومة كلتاهما تقتضيانه. ومن ثمّ فإن استنتاج «لا عدد، إذن النص ناقص» لا يصدر عن الواقعة بل عن انتظار أن يكون النص دليل استعمال. أما لماذا تُقام الصلاة فالقرآن لا يترك فيه فجوة:

فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ

«فاعبدني وحدي، وأقم الصلاة لتذكرني فيها.» (20:14)

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات القرآن الكريم (بترجمة معانيها/التفسير الميسر). يُعرض بتمييز النص عن التفسير، وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة