← الدعوى والدليل

18:86 — هل تغرب الشمس في عينٍ حمئة؟

الدعوى/السؤال: "في الآية 86 من سورة الكهف يجد ذو القرنين الشمس «تغرب في عين حمئة». والشمس نجمٌ يزيد قطره على قطر الأرض مئة مرة، ويبعد عنها نحو 150 مليون كيلومتر؛ فهي لا تغرب في بركة طينية ولا يمكن أن تغرب فيها. هذه الجملة تحمل أثر تصوّرٍ كونيٍّ قديم يرى الشمس تهوي في غديرٍ عند حافة الأرض. فما موضع مثل هذا الوصف في كتابٍ يُقال إنه من ربّ العالمين؟"

ماذا يقول القرآن؟

لا يفتتح المقطع بدرسٍ في علم الفلك، بل بجوابٍ عن سؤالٍ سُئله النبيّ؛ والإطار من النصّ نفسه:

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا

"ويسألك -أيها الرسول- هؤلاء المشركون من قومك عن خبر ذي القرنين الملك الصالح، قل لهم: سأقصُّ عليكم منه ذِكْرًا تتذكرونه، وتعتبرون به." (18:83)

ثم يُعرَّف بصاحب الرحلة:

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا

"إنا مكَّنَّا له في الأرض، وآتيناه من كل شيء أسبابًا وطرقًا، يتوصل بها إلى ما يريد." (18:84)

فيسير (18:85)، ثم نصل إلى موضع الاعتراض:

حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ

"حتى إذا وصل ذو القرنين إلى مغرب الشمس وجدها في مرأى العين كأنها تغرب في عين حارة ذات طين أسود." (18:86)

وتُكمل الآية نفسها بالفعل نفسه — وهنا يقع ثِقَل الجملة حقًّا:

وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا

"ووجد عند مغربها قومًا." (18:86)

ومن هنا يتحوّل المقطع من الفلك إلى أخلاق السلطة؛ يُخيَّر ذو القرنين فيختار:

قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُۥ

"قال ذو القرنين: أمَّا مَن ظلم نفسه منهم فكفر بربه، فسوف نعذبه في الدنيا." (18:87)

وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ

"وأما مَن آمن منهم بربه فصدَّق به ووحَّده وعمل بطاعته فله الجنة ثوابًا من الله." (18:88)

ثم يأتي مشهدٌ متناظر تمامًا؛ يسير ثانيةً (18:89) فيبلغ المشرق:

حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ

"حتى إذا وصل إلى مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم ليس لهم بناء يسترهم، ولا شجر يظلهم من الشمس." (18:90)

ويُختم المقطع ببيان العلم الذي يؤطّر الخبر:

كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا

"كذلك وقد أحاط عِلْمُنا بما عنده من الخير والأسباب العظيمة، حيثما توجَّه وسار." (18:91)

ماذا نتعلّم؟

(تأويل) الفاعل النحويّ في الجملة ليس الشمس بل ذو القرنين؛ والفعل وَجَدَهَا. وجذره و ج د ترد منه في القرآن 107 كلمات. فالآية لا تقول "الشمس تغرب في عين حمئة"، بل تقول "وجدها تغرب في عين حمئة". والفرق بين حكمٍ كونيّ وتقريرِ رحلةٍ يُقرأ من النحو، لا يُخترع بعد وقوع الاعتراض.

(تأويل) والقرآن نفسه يستعمل هذا الفعل في مشهدٍ مبنيٍّ على الفجوة بين المرئيّ والواقع؛ ففي مَثَل السراب يرى الظمآن ماءً، فإذا جاءه لم يجد شيئًا:

يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا

"يظنه العطشان ماء، فإذا أتاه لم يجده ماء." (24:39)

(تأويل) وفي طبقة المفردات تفصيلان مهمّان. الأول عَيْن: جذره ع ي ن، وترد منه 65 كلمة في القرآن، ويجمع معنى "العين الباصرة" و"عين الماء". وترد الكلمة نفسها في موضعٍ آخر مقرونةً بالحرارة:

تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ

"تُسقى من عين شديدة الحرارة." (88:5)

(تأويل) والثاني حَمِئَة: جذره ح م أ، ولا يرد في القرآن كلّه إلا 4 مرات؛ ثلاثٌ منها (15:26 و15:28 و15:33) في الطين الأسود الذي خُلق منه الإنسان، والرابعة هي 18:86. فالكلمة نادرة، حسّية، تنتمي إلى حقل الطين لا إلى حقل البحار.

(تأويل) والسياق يقول شيئًا أيضًا. فالمقطع يعرّف نفسه بأنه ذِكْر أي خبرٌ للاعتبار (18:83). وفي السورة نفسها، حين يتنازع الناس في تفاصيل قصةٍ أخرى، يحذّر النصّ من "الرجم بالغيب" (18:22)؛ أي إنه يكبح شهوة التفصيل بيده. وحيث يتحدّث القرآن عن حركة الشمس يربطها بمَجرًى لا بغديرٍ ثابت:

وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا

"وآية لهم الشمس تجري لمستقر لها، قدَّره الله لها لا تتعداه ولا تقصر عنه." (36:38)

(تأويل) كما أنّ "المغرب" ليس نقطة واحدة مثبَّتة:

رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ

"هو سبحانه وتعالى ربُّ مشرقَي الشمس في الشتاء والصيف، ورب مغربَيها فيهما." (55:17)

وتعدُّد المشارق والمغارب (وانظر أيضًا 21:33 و39:5) ينافي صورة شمسٍ راسيةٍ في حفرةٍ واحدة.

قراءات مختلفة

(تأويل) القراءة اللغوية (قراءة المشاهِد). يربط الفعل وجد الخبرَ بزاوية نظر ذي القرنين؛ والموصوف منظرُ أفق. وما زلنا نقول "غابت الشمس في البحر" ولا يعدّه أحد دعوى فلكية. ومستند هذه القراءة في النصّ هو فاعل الفعل.

(تأويل) مسألة اختلاف القراءة. النصّ المتداول يضبط العبارة عَيْنٍ حَمِئَةٍ أي "عين ذات طينٍ أسود"، وهو النصّ المثبت أعلاه. وقد ضُبط الرسم نفسه أيضًا حَامِيَة أي "شديدة الحرارة". وهذه الصيغة ليست مخترعة: فالوزن نفسه يرد في 88:4 و101:11 بمعنى الحرارة الشديدة. وعلى هذه القراءة يكون المعنى عينًا حارّة، أي نبعًا حراريًّا.

(تأويل) القراءة الجغرافية. المشهد آخرُ محطّةٍ في حملةٍ غربية: ساحلٌ حقيقيّ فيه سبخة أو بحيرة شاطئية أو عين حارّة. و"مغرب الشمس" اسمٌ لأقصى الغرب في مسار الحملة؛ ولهذا تُكمل الآية بأنه وجد هناك قومًا — أي أرضًا مأهولة، لا حافة الكون.

(تأويل) القراءة النقدية/الأكاديمية. ترى أنّ فعل "وجد" وحده لا يحلّ الاعتراض: فالآية داخل مسارٍ يفترض إمكان الوصول إلى موضع غروب الشمس، وهو افتراضٌ يوافق التصوّر الجغرافيّ لعصره. فدفاع "زاوية النظر" ممكنٌ في النصّ، لكنه غير مُلزِم منه.

حدٌّ أمين

ما يقطع به النصّ: الفعل وَجَدَهَا وفاعله ذو القرنين؛ والجملة جملة لقاءٍ ووجدان. وعين في القرآن تشمل الباصرة ونبع الماء. وجذر حمئة يرد 4 مرات وينتمي إلى الطين. والمقطع يعلن عن نفسه أنه ذكر للاعتبار (18:83)، ومركز ثقله مبدأ العدل في 18:87-88.

ما يبقى تأويلًا: مقدار ما يحمله فعل "وجد". فـوجد في العربية تحتمل "بدا له كذلك" وتحتمل "ألفاه كذلك فعلًا" — و24:39 تجمع المعنيين في آيةٍ واحدة. فقول "هذا وصفٌ للمشاهدة فحسب" قراءة وجيهة لا نتيجة مبرهنة؛ وقول "هذا خطأ فلكيّ صريح" دعوى يقينٍ تتجاوز النحو. واختلاف حمئة/حامية اختلاف قراءةٍ أيضًا، ولا يفصل هذا المقال في أيّهما الأصل.

هذا المقال لا يبني دعوى إعجاز؛ إنما يختبر يقينيّة الاعتراض، لا غير.

الخاتمة: ليست 18:86 حكمًا على المصير الفيزيائيّ للشمس، بل تقريرُ رحلةٍ عمّا وجده المسافر حيث بلغ؛ والمقطع نفسه ينتقل بعد آيتين من السماء إلى الأرض، إلى سؤال العدل في الحكم (18:87-88). وهذا ليس إلغاءً للاعتراض: فـ"وجد" لا تُغلق النقاش، لكنها تُغلق دعوى أنّ هنا خطأً علميًّا لا يقبل الجدال. ومركز ثقل النصّ ليس الشمس، بل القوم الذين وُجدوا عندها.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان بالتركية، وتفسير الميسّر بالعربية). يُميَّز بين النصّ والتأويل؛ وليس هذا فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة