← الدعوى والدليل

هل السنّة والحديث شيء واحد؟

الدعوى/السؤال: «اتّباع السنّة نصف الدين، والسنّة هي الحديث نفسه. فمن تحفَّظ على مدوّنات الحديث فقد ردّ السنّة أيضًا. أليس القول بأن ˹السنّة غير الحديث˺ طريقةً مهذّبة لتنحية النبيّ؟»

ماذا يقول القرآن؟

أوّل خطوة في هذا النقاش هي العدّ. في فهرس الكلمات والجذور للقرآن، ترد صيغ الاسم سنّة / سنن من الجذر س‑ن‑ن ست عشرة مرة في إحدى عشرة آية: ٣:١٣٧، ٤:٢٦، ٨:٣٨، ١٥:١٣، ١٧:٧٧، ١٨:٥٥، ٣٣:٣٨، ٣٣:٦٢، ٣٥:٤٣، ٤٠:٨٥، ٤٨:٢٣. (ولا يدخل في هذا العدّ ما جاء من الجذر نفسه بمعنى «السنّ» في ٥:٤٥، ولا «مسنون» في ١٥:٢٦ و١٥:٢٨ و١٥:٣٣.)

وفي هذه الآيات الإحدى عشرة لا تعني الكلمة قطّ «سنّة النبيّ». إنها في كل موضع داخل إضافة: سنّة الله أو سنّة الأوّلين.

سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا

«سنة الله وطريقته في منافقي الأمم السابقة أن يؤسَروا ويُقَتَّلوا أينما كانوا، ولن تجد لطريقة الله تحويلا ولا تغييرًا.» (٣٣:٦٢)

ويتكرّر التركيب نفسه في ٤٨:٢٣، ومرّتين في ٣٥:٤٣، وكذلك في ١٧:٧٧ و٤٠:٨٥. والسياق ثابت في كل مرّة: نظام إلهي يجري في التاريخ ولا يُبدَّل.

وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ

«فقد سبقت طريقة الأولين، وهي أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أننا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة.» (٨:٣٨)

والجمع سنن على الخطّ ذاته؛ ففي ٣:١٣٧ و٤:٢٦ يعني «طرائق الذين من قبلكم».

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ

«يريد الله تعالى بهذه التشريعات، أن يوضح لكم معالم دينه القويم، وشرعه الحكيم، ويدلكم على طرق الأنبياء والصالحين من قبلكم في الحلال والحرام.» (٤:٢٦)

فهل خلا القرآن من الأمر باتّباع النبيّ؟ كلّا؛ بل أمر به مرارًا وبوضوح. لكنه بناه لا بكلمة سنّة، وإنما بفعل الطاعة من الجذر ط‑و‑ع:

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ

«يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، استجيبوا لأوامر الله تعالى ولا تعصوه، واستجيبوا للرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الحق.» (٤:٥٩)

وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ ۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ

«وإن تطيعوه ترشدوا إلى الحق، وليس على الرسول إلا أن يبلغ رسالة ربه بلاغًا بينًا.» (٢٤:٥٤)

وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟

«وما أعطاكم الرسول من مال، أو شرعه لكم مِن شرع، فخذوه، وما نهاكم عن أَخْذه أو فِعْله فانتهوا عنه.» (٥٩:٧)

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

«لقد كان لكم في أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله قدوة حسنة تتأسون بها.» (٣٣:٢١)

وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ

«وأنزلنا إليك القرآن؛ لتوضح للناس ما خفي مِن معانيه وأحكامه، ولكي يتدبروه ويهتدوا به.» (١٦:٤٤)

أمّا الطرف الآخر من المعادلة فقرآنيٌّ أيضًا: الحديث. لكنه ليس اسمًا لفنٍّ مدوَّن، بل بمعنى «القول والخبر»، حتى إن القرآن وصف نفسه به:

ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ

«الله تعالى هو الذي نزل أحسن الحديث، وهو القرآن العظيم، متشابهًا في حسنه وإحكامه وعدم اختلافه.» (٣٩:٢٣)

وفي ٤٥:٦ ترد الكلمة بالمعنى العام نفسه: «فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون».

ماذا نتعلّم؟

(تأويل) في معجم القرآن نفسه شيئان متمايزان لا يتطابقان. السنّة فيه طريقة وقانون يُنسبان إلى الله وإلى الأمم السابقة، ويجريان في التاريخ. والحديث فيه «القول». أمّا المصطلحان اللذان نستعملهما اليوم — «سنّة النبي» و«علم الحديث» — فقد اكتسبا معناهما داخل اصطلاح فنّيّ تكوّن في قرون لاحقة، لا داخل استعمال القرآن. وهذا لا يجعل المصطلحين خطأً؛ فكل علمٍ يصوغ اصطلاحه. لكنه يُنتج نتيجة واحدة: عبارة «القرآن يأمر باتّباع السنّة» لا يمكن إسنادها إلى لفظ السنّة القرآني.

(تأويل) أمر القرآن باتّباع النبيّ حقيقيّ وقويّ، غير أنه مبنيّ بألفاظ أخرى: ٤:٥٩ و٢٤:٥٤ و٤:٨٠ و٣:٣٢ تقول «أطيعوا»؛ و٣٣:٢١ تقول «أسوة حسنة»؛ و١٦:٤٤ تسند إليه مهمّة «التبيين». فالنصّ يضع الرسول سلطةً مُلزِمة وقدوةً حيّة معًا. والنزاع الحقيقي إذن ليس «هل يُتَّبع النبي»، بل بأيّ قناة وبأيّ درجة من الوثوق وصل إلينا ما يُتَّبع.

(تأويل) وللتمييز فائدة عملية: إذا عُدَّت السنّة والحديث شيئًا واحدًا، بدا كلُّ نقاشٍ فنّيٍّ في سند روايةٍ أو متنها اعتراضًا على طريق النبيّ. وإذا حُفظ التمييز انفصل سؤالان: ما كانت الممارسة المستقرّة للنبيّ؟ وبأيّ درجةٍ من الوثوق ينقلها هذا السجلّ أو ذاك؟ الأول سؤال دينيّ، والثاني سؤال تاريخيّ منهجيّ، وخلطهما يُخسِر الطرفين.

قراءات مختلفة

(تأويل) القراءة اللغوية: تنطلق من الإحصاء وتقول إن القرآن لم يُضف السنّة إلى النبيّ قطّ، فالمصطلح بمعناه اليوم تشكّلٌ بعد‑قرآنيّ. وهي لا تطعن في مشروعية المصطلح، بل في نسبته المباشرة إلى القرآن.

(تأويل) القراءة التقليدية: لا تحصر «وما آتاكم الرسول فخذوه» في قسمة الفيء، بل تقرؤها تفويضًا عامًّا يشمل أقواله وأفعاله وتقريراته. وعندها لا يضرّ غياب اللفظ، لأن المضمون قائم بألفاظ أخرى: الطاعة والأسوة والتبيين. ولذلك نجد أحد التفاسير الميسّرة يوسّع العبارة إلى «ما أعطاكم من مال أو شرعه لكم من شرع».

(تأويل) القراءة السياقية: تلفت إلى أن ٥٩:٧ تنظّم من أوّلها إلى آخرها قسمة الفيء، فتقرأ الجملة في إطارها أوّلًا، وترى أن استخراج التفويض العام من آيات الطاعة الصريحة مثل ٤:٥٩ و٤:٨٠ أمتن.

(تأويل) القراءة الأكاديمية/التاريخية: ترى أن «السنّة» استُعملت أوّلًا بمعنى «الممارسة المستقرّة» الأوسع، ثم ضاقت إلى «مضمون ما يُروى عن النبيّ». فالسنّة على هذا عُرِّفت ممارسةً قبل أن تُعرَّف نصًّا، والحديث ثمرة الجهد لتدوين تلك الممارسة.

الحدّ الأمين

ما يقطع به النصّ: لفظ السنّة يرد في إحدى عشرة آية ولا يُنسب في شيء منها إلى النبيّ (٣:١٣٧، ٤:٢٦، ٨:٣٨، ١٥:١٣، ١٧:٧٧، ١٨:٥٥، ٣٣:٣٨، ٣٣:٦٢، ٣٥:٤٣، ٤٠:٨٥، ٤٨:٢٣). ولفظ الحديث فيه بمعنى «القول والخبر» لا اسمًا لفنٍّ من الرواية (٣٩:٢٣، ٤٥:٦). والقرآن يأمر صراحةً بطاعة الرسول ويجعله أسوة (٤:٥٩، ٢٤:٥٤، ٥٩:٧، ٣٣:٢١).

ما يبقى تأويلًا: مدى هذه الأوامر — أهي تبليغ الوحي وتطبيقه فحسب، أم تفويض عامّ يشمل توجيهاتٍ خارج الوحي؟ وحدود «وما آتاكم الرسول». وبأيّ القنوات ودرجات الوثوق وصلت إلينا ممارسة النبيّ المستقرّة. ولا يُحسم شيء من ذلك بالإحصاء اللغوي.

ما ليست هذه المقالة: ليست ردًّا لمدوّنات الحديث، ولا تهوينًا من الروايات جملةً، ولا دعوى «القرآن وحده». دعواها واحدة وضيّقة: السنّة والحديث ليسا مترادفين؛ الأولى طريق وممارسة مستقرّة، والثاني سجلّ قوليّ عن ذلك الطريق.

الخلاصة: «السنّة» في لسان القرآن قانون الله الذي لا يتبدّل، و«الحديث» فيه القول. أمّا الأمر باتّباع النبيّ فمبنيٌّ بألفاظ أخرى: أطيعوا، وأسوة حسنة، ولتبيّن للناس. ولذلك فعدّ السنّة والحديث شيئًا واحدًا إجحافٌ باستعمال القرآن وبتاريخ المفهومين معًا: السنّة ممارسة عُمل بها، والحديث سجلّ يشهد عليها — وفحص السجلّ ليس إنكارًا لما يشهد له.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان والتفسير الميسّر). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل، وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة