السخرية والتنابز بالألقاب
باختصار
تنهى الآية الحادية عشرة من سورة الحجرات عن ثلاثة أمور متتابعة: أن يسخر قوم من قوم، وأن يلمز الناس أنفسهم، وأن يتنابزوا بالألقاب. ولا تسمّي الآية ذلك سوء أدب أو غلظة، بل تسمّيه فسوقًا، أي خروجًا عن الحدّ بعد الإيمان. ولا يتوقف القرآن عند آية واحدة في هذا الباب: فحجّة الساخر واحدة دائمًا ("إنما كنا نخوض ونلعب")، وهدفه واحد دائمًا (من يبدو أضعف)، ومآله يُردّ إلى الموضع نفسه. تفتح هذه المقالة النواهي الثلاثة على مستوى الجذر، وتصفّ المواضع الأخرى التي ورد فيها الاستهزاء، وتفصل بين ما ينصّ عليه النصّ وما هو استنتاج.
الآيات المتناولة
- 49:11 — النهي عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، وتسميته فسوقًا.
- 49:10 — أخوّة المؤمنين والأمر بالإصلاح بينهم؛ الآية السابقة مباشرة.
- 49:12 — النهي عن الظن والتجسس والغيبة؛ الآية اللاحقة مباشرة.
- 49:13 — أن ميزان الكرم ليس النسب بل التقوى.
- 9:65 — حجّة "إنما كنا نخوض ونلعب" والجواب عنها.
- 9:79 — الذين يلمزون الفقير على قلّة ما يتصدق به.
- 2:212 — ارتباط السخرية بزينة الحياة الدنيا.
- 83:29 — ضحك المجرمين من المؤمنين.
- 83:30 — التغامز عند المرور بهم.
- 83:31 — الرجوع إلى الأهل بالفكاهة؛ السخرية تصير تسلية بيتية.
- 83:32 — وسم المؤمنين بالضلال.
- 83:33 — أن الساخرين لم يُرسَلوا حافظين على أحد.
- 83:34 — انقلاب المشهد نفسه.
- 104:1 — ما قيل في كل همزة لمزة.
- 23:110 — أن السخرية أنست الساخرين ذكر الله.
- 6:10 — الاستهزاء بالرسل وما حاق بالمستهزئين.
- 4:148 — أن الجهر بالسوء من القول غير محبوب.
نصّ الآية
تأتي الآية على شوطين. الأول ينهى عن السخرية ويعلّل النهي:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ
“يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشريعته لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين؛ عسى أن يكون المهزوء به منهم خيرًا من الهازئين، ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات؛ عسى أن يكون المهزوء به منهنَّ خيرًا من الهازئات، ولا يَعِبْ بعضكم بعضًا، ولا يَدْعُ بعضكم بعضًا بما يكره من الألقاب، بئس الصفة والاسم الفسوق، وهو السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه، ومن لم يتب من هذه السخرية واللمز والتنابز والفسوق فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب هذه المناهي.” (49:11)
(تفسير/استنتاج) التعليل لافت: "عسى أن يكونوا خيرًا منهم". لا تقول الآية للساخر إنك فظّ، بل تقول له إنك غير عالم. فالسخرية تفترض أنك تعرف قدر الآخر سلفًا، والآية تُبطل هذا الافتراض نفسه: ميزان الخيرية ليس بيد الساخر.
والشوط الثاني يضيف نهيين آخرين ويسمّي الثلاثة باسم واحد:
وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ
(تفسير/استنتاج) قوله "ولا تلمزوا أنفسكم" جاء بلفظ "أنفسكم" لا "بعضكم بعضًا". فالحجر الذي يُرمى به فرد من الجماعة هو حجر ترميه الجماعة على نفسها، وهو المعنى ذاته الذي تقرّره الآية السابقة في أخوّة المؤمنين.
ثلاثة نواهٍ، ثلاثة جذور
أولًا: السخرية — س خ ر
الفعل يَسْخَرْ من الجذر س-خ-ر. وأكثر ألفاظ هذا الجذر في القرآن لا تتعلق بالاستهزاء بل بـالتسخير: سوق الشيء إلى غاية معيّنة وتذليله — كتسخير الشمس والقمر والبحر والفلك للناس. وللجذر فرع ثانٍ بمعنى الهزء بالإنسان والتفكّه به.
(تفسير/استنتاج) الجمع بين الفرعين مفيد: السخرية من إنسان هي ردّه إلى شيء يُستعمل للتسلية. وهذا هو معنى "تشغيل الشيء لغرضك" مطبَّقًا على البشر. وهو استنتاج لغوي لا لفظ الآية، غير أن الصلة بين الفرعين تُقرأ من اللغة نفسها.
ثانيًا: اللمز — ل م ز
تَلْمِزُوٓا۟ من الجذر ل-م-ز، ومعناه العيب وطلب المثالب وإشاعة النقص. ولم يرد هذا الجذر في القرآن إلا في أربع كلمات، وكلّها من مشهد واحد. ومنها ما يصوّر فقيرًا يُلمَز على صدقته:
ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
“ومع بخل المنافقين لا يَسْلَم المتصدقون من أذاهم؛ فإذا تصدق الأغنياء بالمال الكثير عابوهم واتهموهم بالرياء، وإذا تصدق الفقراء بما في طاقتهم استهزؤوا بهم، وقالوا سخرية منهم: ماذا تجدي صدقتهم هذه؟ سخر الله من هؤلاء المنافقين، ولهم عذاب مؤلم موجع.” (9:79)
(تفسير/استنتاج) ليست السخرية هنا سخرية قويّ من قويّ، بل ضحك من قلّة الرجل: ليس عنده ما يبذله كثيرًا، فصار القليل مادة الهزء. والآية لا تعدّ هذا سوء أدب عابرًا بل سلوكًا له عاقبة.
والجذر نفسه يسمّي من جعل طلب العيوب طبعًا:
وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ
“شر وهلاك لكل مغتاب للناس، طعان فيهم.” (104:1)
ثالثًا: التنابز — ن ب ز
تَنَابَزُوا۟ من الجذر ن-ب-ز، وهي الكلمة الوحيدة من هذا الجذر في القرآن كلّه، ومعناها التلقيب. وصيغة الفعل للمفاعلة، فالنهي لا يقتصر على إساءة من طرف واحد بل يشمل الألقاب التي يتبادلها الطرفان.
(تفسير/استنتاج) يفترق اللقب عن المزحة بالثبات. السخرية لحظة، واللقب تثبيت لتلك اللحظة في اسم الإنسان. والآية نفسها تستعمل لفظ "الاسم": فالمذموم هو الاسم اللاصق.
"إنما كنا نخوض ونلعب"
حجّة الساخر المعهودة مسجَّلة في القرآن ومجاب عنها:
وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ
“ولئن سألتهم -أيها النبي- عما قالوا من القَدْح في حقك وحق أصحابك لَيَقولُنَّ: إنما كنا نتحدث بكلام لا قصد لنا به، قل لهم -أيها النبي-: أبالله عز وجل وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟” (9:65)
(تفسير/استنتاج) هنا يتبيّن لماذا لا تنفع حجّة "إنها مجرد مزحة" في إطار القرآن. الحجّة تحتكم إلى قصد المتكلم، والجواب يشير إلى موضوع الكلام: بمَن كنتم تستهزئون؟ فالميزان ليس نية الساخر بل الشيء المسخور منه. ومن هنا جاء وصف الفسوق في الآية: الفعل يُسمّى بثقله لا بالاسم الذي يختاره فاعله.
المشهد كاملًا
لا يرسم القرآن السخرية فعلًا واحدًا بل سلسلة أفعال:
إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ
“إن الذين أجرموا كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين، وإذا مروا بهم يتغامزون سخرية بهم، وإذا رجع الذين أجرموا إلى أهلهم وذويهم تفكهوا معهم بالسخرية من المؤمنين. وإذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اتبعوا الهدى قالوا: إن هؤلاء لتائهون في اتباعهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وما بُعث هؤلاء المجرمون رقباء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فيوم القيامة يسخر الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه من الكفار، كما سخر الكافرون منهم في الدنيا.” (83:29)
وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا۟ فَكِهِينَ
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ
(تفسير/استنتاج) أربع آيات وأربع طبقات: الضحك، ثم التغامز بالنظر، ثم نقل الواقعة إلى البيت والتفكّه بها هناك، ثم الحكم أخيرًا ("إن هؤلاء لضالون"). فالسخرية هنا ليست نكتة بل ممارسة جماعية: تُعقد بالنظرة، وتُكرَّر في البيت، وتتصلّب حكمًا. ثم تأتي الآية الخامسة فتقطع سند السلسلة:
وَمَآ أُرْسِلُوا۟ عَلَيْهِمْ حَـٰفِظِينَ
“إن الذين أجرموا كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين، وإذا مروا بهم يتغامزون سخرية بهم، وإذا رجع الذين أجرموا إلى أهلهم وذويهم تفكهوا معهم بالسخرية من المؤمنين. وإذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اتبعوا الهدى قالوا: إن هؤلاء لتائهون في اتباعهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وما بُعث هؤلاء المجرمون رقباء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فيوم القيامة يسخر الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه من الكفار، كما سخر الكافرون منهم في الدنيا.” (83:33)
(تفسير/استنتاج) الساخر يمنح نفسه صلاحية الحكم على غيره، والآية تقول إن هذه الصلاحية لم تُعطَ. ثم ينقلب المشهد:
فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
وأثر السخرية في الساخر نفسه مذكور على حدة:
فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ
“فاشتغلتم بالاستهزاء بهم حتى نسيتم ذكر الله، فبقيتم على تكذيبكم، وقد كنتم تضحكون منهم سخرية واستهزاء.” (23:110)
(تفسير/استنتاج) فالسخرية هنا ليست ضررًا يلحق المسخور منه فحسب، بل شغلًا يستغرق الساخر ويصرفه عمّا جاء له.
على ماذا تدلّ السخرية؟
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
“حُسِّن للذين جحدوا وحدانية الله الحياةُ الدنيا وما فيها من الشهوات والملذات، وهم يستهزئون بالمؤمنين. وهؤلاء الذين يخشون ربهم فوق جميع الكفار يوم القيامة؛ حيث يدخلهم الله أعلى درجات الجنة، وينزل الكافرين أسفل دركات النار. والله يرزق مَن يشاء مِن خلقه بغير حساب.” (2:212)
(تفسير/استنتاج) لا تذكر الآية للسخرية علّة، بل تضعها بجوار حال: تزيين الحياة الدنيا. ومن رتّب الناس بحسب القيمة الظاهرة استساغ الضحك ممن هو دونه في الترتيب. والآية الثالثة عشرة من السورة نفسها تغيّر هذا الميزان بعينه:
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ
“يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من أب واحد هو آدم، وأُم واحدة هي حواء، فلا تفاضل بينكم في النسب، وجعلناكم بالتناسل شعوبًا وقبائل متعددة؛ ليعرف بعضكم بعضًا، إن أكرمكم عند الله أشدكم اتقاءً له. إن الله عليم بالمتقين، خبير بهم.” (49:13)
ويُذكَر أيضًا أن الرسل أنفسهم كانوا في مرمى الاستهزاء:
وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ
“ولمَّا كان طلبهم إنزال الملك على سبيل الاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم بيَّن الله تعالى له أن الاستهزاء بالرسل عليهم السلام ليس أمرا حادثا، بل قد وقع من الكفار السابقين مع أنبيائهم، فأحاط بهم العذاب الذي كانوا يهزؤون به وينكرون وقوعه.” (6:10)
السياق: الآيتان العاشرة والثانية عشرة
النهي لا يقف وحده، فله جاران. قبله الأخوّة والإصلاح:
إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
“إنما المؤمنون إخوة في الدين، فأصلحوا بين أخويكم إذا اقتتلا وخافوا الله في جميع أموركم؛ رجاء أن تُرحموا.” (49:10)
وبعده الظن والتجسس والغيبة:
وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا
“يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اجتنبوا كثيرًا من ظن السوء بالمؤمنين؛ إن بعض ذلك الظن إثم، ولا تُفَتِّشوا عن عورات المسلمين، ولا يقل بعضكم في بعضٍ بظهر الغيب ما يكره. أيحب أحدكم أكل لحم أخيه وهو ميت؟ فأنتم تكرهون ذلك، فاكرهوا اغتيابه. وخافوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه. إن الله تواب على عباده المؤمنين، رحيم بهم.” (49:12)
(تفسير/استنتاج) بقراءة الثلاث معًا يظهر ترتيب: الظن (حكم يُعقد في النفس)، ثم التجسس (طلب الدليل)، ثم الغيبة (القول من وراء الظهر)، ثم السخرية والتنابز (القول في الوجه وعلى الملأ). ويمكن قراءة الترتيب معكوسًا أيضًا؛ فالنصّ لا ينصّ على التسلسل، لكن تجاور الموضوعات في النصّ نفسه.
وفي الجهر بالقول قاعدة عامة كذلك:
لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ
“لا يُحِبُّ الله أن يَجهر أحدٌ بقول السوء، لكن يُباح للمظلوم أن يَذكُر ظالمه بما فيه من السوء؛ ليبيِّن مَظْلمته. وكان الله سميعًا لما تجهرون به، عليمًا بما تخفون من ذلك.” (4:148)
ملاحظة في الجذر والكلمة
الأعداد التالية محسوبة من جدول الكلمات في هذه المنصّة (عدد ورود الكلمات لا عدد الآيات).
| الجذر | الكلمة في الآية | حقل المعنى | عدد الورود |
|---|---|---|---|
| س خ ر | يَسْخَرْ | التسخير / الاستهزاء | 42 (منها 15 بمعنى الهزء و27 بمعنى التسخير) |
| ل م ز | تَلْمِزُوٓا۟ | العيب واللمز | 4 (9:58, 9:79, 49:11, 104:1) |
| ن ب ز | تَنَابَزُوا۟ | التلقيب | 1 (في 49:11 فقط) |
| ه م ز | — | الهمز والغمز | 3 (23:97, 68:11, 104:1) |
| ض ح ك | — | الضحك | 10 |
| ف س ق | ٱلْفُسُوقُ | الخروج عن الحدّ | 54 (وبهذه الصيغة: 2:197, 2:282, 49:7, 49:11) |
(تفسير/استنتاج) الصورة المعجمية وراء ف-س-ق هي خروج الرطبة عن قشرها: شيء يفارق وعاءه وحدّه. فحين تسمّي الآية السخرية بهذا اللفظ فهي تَسِمها بأنها سلوك تجاوز الحدّ الذي يرسمه الإيمان، لا بأنها خروج من الإيمان. ويؤيّد ذلك بقيّة الآية إذ تُبقي الباب مفتوحًا: "ومن لم يتب".
وورود الجذر ن-ب-ز مرة واحدة في القرآن كلّه جدير بالتسجيل: فالنهي عن التلقيب لم يُقرَّر بالتكرار بل بجملة واحدة واضحة.
قراءات مختلفة
(تفسير/استنتاج) قراءة لغوية: لفظ أَنفُسَكُمْ يحتمل "أنفسكم" ويحتمل "بعضكم بعضًا"، والاستعمال العربي للجماعة يحمل الوجهين. فمن أخذ بالثاني قرأ النهي مباشرة: لا يعب بعضكم بعضًا. ومن أخذ بالأول رأى تأكيدًا على أن الجماعة بدن واحد. والقراءتان تنتهيان إلى الحكم نفسه، والفرق في التأكيد.
(تفسير/استنتاج) قراءة في المدى: تفتتح الآية بـ"يا أيها الذين آمنوا" وتذكر الفسوق "بعد الإيمان". فقراءة ترى أن الخطاب ينظّم العلاقة بين المؤمنين، فيكون موضوعه الأول سلوك الجماعة الداخلي. وقراءة أخرى تضمّ إليها خطاب "يا أيها الناس" في الآية الثالثة عشرة فترى المبدأ قائمًا على كرامة الإنسان ودائرة الخطاب أوسع. والنصّ يوجّه الخطاب أولًا وصراحةً إلى المؤمنين، والتوسيع استنتاج.
(تفسير/استنتاج) قراءة في اللقب: أين يقع حدّ "الألقاب" المنهيّ عنها؟ قراءة تقصره على الأسماء المهينة التي تُبرز عيبًا، ويشهد لها قوله "بئس الاسم". وقراءة أخرى تعمّه في كل اسم يكرهه صاحبه، فيكون الميزان كراهة الحامل لا قصد المُلقِّب. والآية تصف اللقب بالسوء ولا تصرّح بمن يقدّر هذا السوء.
الحدّ الأمين
ما ينصّ عليه النصّ: تنهى الآية عن ثلاثة أفعال: السخرية (س خ ر)، واللمز (ل م ز)، والتنابز بالألقاب (ن ب ز). والتعليل المذكور "عسى أن يكونوا خيرًا منهم". والاسم الذي يُطلق على السلوك هو الفسوق، ومن لم يتب وُصف بالظلم. وسخرية النساء من النساء مذكورة على حدة وصراحةً. والآية الخامسة والستون من سورة التوبة تسجّل حجّة "إنما كنا نخوض ونلعب" ولا تتركها بلا جواب. والآيات 83:29-33 تصف جانب الساخرين، و83:34 لحظة انقلاب المشهد.
ما يبقى للاستنتاج: أين تبدأ السخرية — أي الحدّ بين الفكاهة والهزء — غير مرسوم في الآية. وهل تكفي كراهة الحامل وحدها لجعل اللقب "سوءًا" غير منصوص. وهل يختصّ النهي بما بين المؤمنين أم يعمّ الناس مسألة مفتوحة. والصلة التي عُقدت هنا بين فرعَي الجذر س-خ-ر (السخرية بوصفها تشييئًا) استنتاج لغوي لا لفظ الآية. والأعداد المذكورة محسوبة من جدول الكلمات في هذه المنصّة، وقد تختلف باختلاف التصنيف الصرفي.
ما ليست هذه المقالة: ليست قائمة أحكام فقهية ولا تقترح عقوبة، ولا تستهدف شخصًا بعينه ولا جماعة بعينها.
الخلاصة: تُخرج الآية السخرية من باب الأسلوب وتجعلها سلوكًا له اسم. ومستندها ليس الذوق بل الجهل: الساخر يفترض أنه يعرف مَن الأخير، وهو لا يعرف. وتغلق الآية ثلاثة مستويات دفعة واحدة — المزحة العابرة، وعادة طلب العيوب، والاسم الثابت — وتُبقي باب التوبة مفتوحًا.
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات القرآن (ترجمة م. أوكويان بالتركية، والتفسير الميسّر بالعربية) + kuranokuyan.com. قرآني المنهج، فوق المذاهب، موثّق بالإحالات.