← الأدلة

الكِبر والتواضع: ولا تمشِ في الأرض مرَحًا

الكِبر والتواضع: ولا تمشِ في الأرض مرَحًا

بإيجاز

الكِبر في القرآن ليس حالة باطنة فحسب، بل هو سلوك ظاهر ينزل إلى المشية وإلى الصوت وإلى إمالة الخدّ. والنصّ يضع دعوى الإنسان الكبيرة إلى جوار دعويين مستحيلتين: خرقِ الأرض وبلوغِ الجبال طولًا. وفي المقابل تقف مشية عباد الرحمن: على الأرض هَوْنًا، أي بسكينة وتواضع. تتبع هذه المقالة خطّ النصّ نفسه: من أول مشهد للكبر، إلى وصية لقمان لابنه، إلى السؤال عن الدار الآخرة لمن تُجعل.

الآيات المذكورة

  • 2:34 — امتناع إبليس عن السجود: إباء واستكبار في جملة واحدة.
  • 7:13 — ردّ الكبر بوصفه أمرًا ليس له.
  • 38:75 — السؤال عن مصدر الاستكبار.
  • 17:37 — النهي عن المشي مرَحًا مع بيان العلّة.
  • 31:17 — أول حلقات وصية لقمان: الصلاة والأمر بالمعروف والصبر.
  • 31:18 — لا تصعّر خدّك للناس ولا تمشِ مرَحًا.
  • 31:19 — القصد في المشي وخفض الصوت.
  • 25:63 — عباد الرحمن يمشون على الأرض هونًا.
  • 7:146 — صرف المتكبرين عن الآيات.
  • 16:23 — لا يحبّ المستكبرين.
  • 4:36 — المختال الفخور يُذكر بعد الجار واليتيم والمسكين.
  • 57:23 — العبارة نفسها في سياق عدم الفرح بما أُوتي.
  • 40:60 — الاستكبار عن العبادة ينتهي بالصَّغار.
  • 40:75 — الفرح بغير الحقّ والمرَح سببًا للعذاب.
  • 28:83 — الدار الآخرة لمن لا يريد علوًّا ولا فسادًا.
  • 59:23 — الكبرياء وصف لله لا للإنسان.

أول مشهد للكِبر

قبل أن يعرّف النصّ الكِبر يمنحه مشهدًا. وأول كِبر لم يكن عن مال ولا نسب ولا منصب، بل ظهر أمام أمر.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ

«واذكر -أيها الرسول- للناس تكريم الله لآدم حين قال سبحانه للملائكة: اسجدوا لآدم إكرامًا له وإظهارًا لفضله، فأطاعوا جميعًا إلا إبليس امتنع عن السجود تكبرًا وحسدًا» (2:34)

والجواب لافت: الكِبر يُردّ لا بوصفه جريمة فحسب، بل بوصفه أمرًا لا يملكه صاحبه.

فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا

«فما يصح لك أن تتكبر فيها» (7:13)

أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ

«أستكبرت على آدم، أم كنت من المتكبرين على ربك؟» (38:75)

(تفسير/رأي) في هذا المشهد لا يبدو الكِبر بندًا يُضاف إلى قائمة الأخلاق السيئة، بل يبدو دعوى موقع: المتكبر يطالب بمكان ليس له. ولذلك جاء الردّ بيانًا للحدّ لا توبيخًا أخلاقيًّا. وإذا صحّ هذا القراءة فضدّ الكِبر ليس احتقار النفس، بل معرفة المرء موضعه.

أخلاق مكتوبة في المشية

في سورة الإسراء، وفي وسط سلسلة من الوصايا، تنزل الأخلاق فجأة إلى الجسد.

وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا

«ولا تمش في الأرض مختالا متكبرا؛ فإنك لن تَخْرِق الأرض بالمشي عليها، ولن تبلغ الجبال طولا» (17:37)

(تفسير/رأي) العلّة المذكورة ليست أخلاقية بل حسّية: لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال. فكأن النصّ يعالج الكِبر بوصفه دعوى لا تطابق الواقع، ثم يُسكتها بالمقايسة: قِس نفسك بالأرض وبالجبال.

وصية لقمان لابنه

تبدأ سلسلة الوصايا في سورة لقمان بالعبادة ثم ترجع في النفَس نفسه إلى الجسد.

يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ

«يا بنيَّ أقم الصلاة تامة بأركانها وشروطها وواجباتها، وأْمر بالمعروف، وانْه عن المنكر بلطفٍ ولينٍ وحكمة بحسب جهدك» (31:17)

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا

«ولا تُمِلْ وجهك عن الناس إذا كلَّمتهم أو كلموك؛ احتقارًا منك لهم واستكبارًا عليهم، ولا تمش في الأرض بين الناس مختالا متبخترًا» (31:18)

وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ

«وتواضع في مشيك، واخفض من صوتك فلا ترفعه» (31:19)

(تفسير/رأي) ترتيب الآيات الثلاث يقول شيئًا بنفسه: الصلاة والأمر بالمعروف والصبر في السلسلة نفسها التي فيها «لا تصعّر خدّك، واقصد في مشيك، واغضض من صوتك». فلا فجوة بين العلاقة الرأسية (العبادة) والعلاقة الأفقية (معاملة الناس). والعلامات الثلاث كلّها مرئية من الخارج: هيئة الوجه، وسرعة الخطو، وارتفاع الصوت.

مشية عباد الرحمن

في سورة الفرقان يوصف ضدّ الكِبر بمشية أيضًا.

وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا

«وعباد الرحمن الصالحون يمشون على الأرض بسكينة متواضعين، وإذا خاطبهم الجهلة السفهاء بالأذى أجابوهم بالمعروف من القول» (25:63)

(تفسير/رأي) الفعل نفسه (المشي) والأرض نفسها في الآيتين؛ والمتغيّر هو الكيفية وحدها: مشية المتكبر «مرَحًا» ومشية عبد الرحمن «هَوْنًا». والشطر الثاني من الآية يبيّن ما ليس هو التواضع: ليس السكوت أمام السفَه، بل ردٌّ يرفض المخاصمة.

ثمن الكِبر: عينٌ تنغلق

أثقل نتائج الكِبر في القرآن لا تُوصف عقوبةً بقدر ما تُوصف فقدانًا للإدراك.

سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ

«سأصرف عن فَهْم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي» (7:146)

إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ

«إنه عز وجل لا يحب المستكبرين عن عبادته والانقياد له» (16:23)

إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ

«إن الذين يتكبرون عن إفرادي بالعبودية والألوهية، سيدخلون جهنم صاغرين حقيرين» (40:60)

(تفسير/رأي) ما تصفه 7:146 ليس نقصًا في المعلومة: الرجل يرى كلّ آية ولا يؤمن. فالكِبر هنا لا يقف أمام المعرفة بل أمام قبولها. وفي 40:60 يوضع الاستكبار في مقابل الدعاء؛ لأن السؤال اعترافٌ بالحاجة، والمتكبر لا يفعله.

من الذي لا يُحَبّ، وإلى جانب أيّ جملة

عبارة «لا يحبّ كلّ مختال فخور» لا ترد وحدها في القرآن، بل تُلحق دائمًا بسياق معاملة.

إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا

«إن الله تعالى لا يحب المتكبرين من عباده، المفتخرين على الناس» (4:36)

وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ

«والله لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا فخور به على غيره» (57:23)

ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ

«ذلكم العذاب الذي أصابكم إنما هو بسبب ما كنتم عليه في حياتكم الدنيا من غفلة» (40:75)

(تفسير/رأي) في 4:36 تأتي الجملة بعد ذكر الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والجار القريب والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل. وفي 57:23 تأتي في سياق ألّا يأسى المرء على ما فاته ولا يفرح بما أُوتي. وباجتماعهما يظهر وجها الكِبر: التعالي على الناس، وحسبان ما في اليد استحقاقًا ذاتيًّا.

الدار الآخرة لمن تُجعل

تعطي سورة القصص المعيار في جملة واحدة، بعد قصة قارون مباشرة.

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا

«تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرًا عن الحق في الأرض ولا فسادًا فيها» (28:83)

(تفسير/رأي) المعيار ليس الفعل بل الإرادة: «لا يريدون». فالنصّ ينزل هنا تحت السلوك الظاهر. وفي المقابل تُذكر الكبرياء وصفًا لله لا للإنسان.

الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ

«المتكبِّر الذي له الكبرياء والعظمة» (59:23)

ملاحظة في الجذور والألفاظ

الأعداد التالية محسوبة من قاعدة بيانات التحليل الصرفي كلمةً كلمةً في هذه المنصّة.

الجذرعدد ورود الكلماتالصيغ الواردة في هذه المقالة
ك ب ر161منها 46 في صيغ الاستكبار والتكبّر: استكبر (2:34)، تتكبّر (7:13)، يتكبّرون (7:146)، المستكبرين (16:23)، يستكبرون (40:60)، المتكبّر (59:23)
م ر ح3مرَحًا (17:37، 31:18)، تمرحون (40:75)
ص ع ر1تُصعّر (31:18) — مرة واحدة في القرآن كلّه
خ ي ل9صيغة «مختال» ثلاث مرات: 4:36، 31:18، 57:23
ف خ ر6صيغة «فخور» أربع مرات: 4:36، 11:10، 31:18، 57:23
ه و ن26«هَوْنًا» في 25:63 وحدها
ق ص د6صيغة الأمر «واقصد» في 31:19 وحدها
غ ض ض424:30، 24:31، 31:19، 49:3

يلفت النظر أمران. الأول أن «مختال» و«فخور» لا تردان إلا مقترنتين، في ثلاث آيات (4:36، 31:18، 57:23)؛ فالإعجاب بالنفس والافتخار يُذكران زوجًا لا خصلتين منفصلتين. والثاني أن 17:37 و31:18 تشتركان في العبارة نفسها: «ولا تمش في الأرض مرحًا»؛ واحدة في سلسلة وصايا عامة، والأخرى في وصية أب لابنه.

قراءات مختلفة

(تفسير/رأي) قراءة لغوية. جذر «ه و ن» يرد في القرآن غالبًا في حقل «السهولة والخِفّة» وحقل «الإهانة» معًا (مثل 30:27: «أهون»). و«هَوْنًا» في 25:63 تقف بين الطرفين: ليست إذلالًا للنفس، بل مشيًا بلا ثِقَل ولا استعراض. وعلى هذه القراءة يكون التواضع خِفّة لا مهانة.

(تفسير/رأي) قراءة أخلاقية نفسية. لمّا كان المعيار في 28:83 هو «لا يريدون»، فالكِبر يُعرَّف أولًا على مستوى الإرادة، ويكون السلوك الظاهر (المشية، الصوت، الوجه) سطحًا مرئيًّا لتلك الإرادة. وعلى هذه القراءة تكون 17:37 و31:18-19 قائمة أعراض.

(تفسير/رأي) قراءة اجتماعية سياسية. فاعل «الاستكبار» في أكثر مواضع القرآن جماعة ذات سلطة لا فرد. وفي 28:83 يُقرن الكِبر بالفساد، وفي 40:75 يُضاف قيد «بغير الحقّ». وعلى هذه القراءة يكون المستهدَف ليس الزهو الشخصي بل تحوّل دعوى التفوّق إلى مؤسسة.

والقراءات الثلاث لا يُلغي بعضها بعضًا؛ بل تقرأ مستويات مختلفة من المجموعة نفسها من الآيات.

الحدّ الأمين

ما هو صريح في النصّ: النهي عن المشي مرَحًا (17:37، 31:18). الأمر بالقصد في المشي وخفض الصوت (31:19). نفي محبّة الله للمختال الفخور وللمستكبرين (4:36، 31:18، 57:23، 16:23). جعل الدار الآخرة لمن لا يريد علوًّا ولا فسادًا (28:83). ذكر الاستكبار بوصفه أول إباء في قصة إبليس (2:34، 7:13، 38:75).

ما يبقى للاجتهاد: المقابل السلوكي الدقيق لـ«المرَح» و«الهَوْن» — أيّ سرعة وأيّ نبرة — غير مقدَّر في النصّ. وكم في «تصعير الخدّ» من إشارة حسّية وكم فيه من تصوير لموقفٍ، محلّ خلاف. وأين يقع الحدّ بين الثقة بالنفس والكِبر لا يُستخرج مباشرة من الآيات؛ بل هو حكم مرتبط بالسياق والنيّة. وكذلك لا يبيّن النصّ كيف يجري «الصرف عن الآيات» في 7:146.

ما ليست هذه المقالة: ليست قائمة معايير لوسم الناس بالكِبر. فمقياس هذه الآيات موجَّه في الأغلب إلى نظر المرء في نفسه؛ وإذا استُعمل لوزن الآخرين انقلبت الآية نفسها أداةً للكِبر الذي تسمّيه.

الخلاصة: يعالج القرآن الكِبر لا بوصفه عيبًا مجرّدًا بل بوصفه دعوى تتجاوز قدر صاحبها، ويمسك تلك الدعوى في أشدّ المواضع تجسّدًا: المشية والصوت وهيئة الوجه. والتواضع في المقابل ليس تصغيرًا للنفس، بل حملُ المرء ثِقله على الأرض حملًا صحيحًا: أن يمشي هَوْنًا، وأن يقابل جهل الجاهل بالسلام، وألّا يريد علوًّا.

المصدر: آيات القرآن (التفسير الميسّر في النسخة العربية، ومعاني م. أوكويان في النسخة التركية). يُقدَّم مع التمييز بين النصّ والتفسير، وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة