الرُّوح في القرآن الكريم
باختصار
لا تدلّ كلمة «الرُّوح» في القرآن على شيء واحد بعينه. فاللفظ نفسه يَرِد في سياقات شديدة الاختلاف: ما يُنفَخ في الإنسان عند خلقه، وما نُفِخ في مريم، والوحي المنزَّل مع الملائكة، و«روح القُدُس» الذي أُيِّد به عيسى، و«الروح الأمين» الذي نزل بالقرآن على القلب، والرسول الذي تمثَّل لمريم بشرًا سويًّا، والكائن الذي يقوم مع الملائكة صفًّا يوم القيامة. وقد سُئل عن حقيقته مرة واحدة في النص، فلم يكن الجواب تعريفًا، بل بيانًا لمصدره وحدٍّ لعلم الإنسان به (17:85). وهذا المقال يرتّب مواضع استعمال الكلمة في القرآن، ثم يترك الحدَّ الذي وضعه النص كما هو.
الآيات المذكورة
- 17:85 — السؤال عن الروح، والجواب يبيّن المصدر والحدَّ لا الماهية.
- 15:29 — تسوية الإنسان ثم النفخ فيه «من روحي»، ثم أمر السجود.
- 38:72 — المشهد نفسه بألفاظ تكاد تكون متطابقة.
- 32:9 — في سياق الخلق: النفخ «من روحه»، ثم السمع والأبصار والأفئدة.
- 21:91 — النفخ في مريم «من روحنا»، وجَعْلُها وابنها آية.
- 66:12 — الحدث نفسه في سياق ضرب المثل بمريم.
- 19:17 — «روحنا» يُرسَل إلى مريم فيتمثّل لها بشرًا سويًّا.
- 16:2 — تنزيل الملائكة بالروح من أمره.
- 40:15 — إلقاء الروح من أمره على من يشاء من عباده.
- 42:52 — «وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا».
- 58:22 — تأييد المؤمنين «بروح منه».
- 2:87 — تأييد عيسى بروح القدس.
- 2:253 — البيان نفسه في سياق تفضيل الرسل.
- 5:110 — تذكير عيسى بالنعم، ومنها التأييد بروح القدس.
- 16:102 — «روح القدس» نزَّل القرآن.
- 26:193 — «الروح الأمين» نزل به على القلب.
- 4:171 — عيسى كلمةُ الله ألقاها إلى مريم و«روح منه».
- 70:4 — تعرج الملائكة والروح إليه.
- 78:38 — يقوم الروح والملائكة صفًّا.
- 97:4 — تنزّل الملائكة والروح بإذن ربهم.
- 39:42 — الموت والنوم يُذكران بلفظ «النفس» لا بلفظ «الروح».
موضع السؤال
17:85 هو الموضع الوحيد الذي يُسأل فيه عن الروح ويأتي الجواب. وصيغة الجواب لافتة: لا يُوصف اللفظ، بل يُذكر المجال الذي ينتمي إليه، ثم يُذكر حدّ العلم مباشرة بعده.
وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
"ويسألك الكفار عن حقيقة الروح تعنتًا، فأجبهم بأن حقيقة الروح وأحوالها من الأمور التي استأثر الله بعلمها، وما أُعطيتم أنتم وجميع الناس من العلم إلا شيئًا قليلا." (17:85)
(تعليق) تصنع الآية أمرين في وقت واحد. فهي تُلحق الروح بمجال «الأمر» لا بنظام الأشياء المخلوقة التي يقيسها الإنسان؛ وهي تختم بميزان لا بباب مغلق — فالمُعطى قليل، لا معدوم. وقراءة الجملتين معًا تعني أن كل محاولة لاستخراج مذهب مفصَّل في الروح من القرآن تعمل ضد الميزان الذي قرّره النص نفسه.
(تعليق) وقوله «وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا» خطاب للسائلين، لا تحقير لهم. إنه إخبار عن سَعة: علم الإنسان حقيقي لكنه محدود. والنص يقدّم هذا الحدّ بوصفه معطًى، لا بوصفه نقصًا.
الروح المنفوخة: خلق الإنسان
أشهر استعمالات الكلمة في سياق الخلق، ويتكرر بلفظ يكاد يكون واحدًا في موضعين:
فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ
"فإذا سوَّيته وأكملت صورته ونفخت فيه الروح، فخُرُّوا له ساجدين سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة." (15:29)
فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ
"اذكر لهم -أيها الرسول-: حين قال ربك للملائكة: إني خالق بشرًا من طين. فإذا سوَّيت جسده وخلقه ونفخت فيه الروح، فدبت فيه الحياة، فاسجدوا له سجود تحية وإكرام، لا سجود عبادة وتعظيم؛ فالعبادة لا تكون إلا لله وحده. وقد حرَّم الله في شريعة الإسلام السجود للتحية." (38:72)
وفي موضع ثالث يَرِد الفعل نفسه دون مشهد السجود، بوصفه مرحلة من مراحل الخلق:
ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ
"ثم أتم خلق الإنسان وأبدعه، وأحسن خلقته، ونفخ فيه مِن روحه بإرسال الملك له؛ لينفخ فيه الروح، وجعل لكم -أيها الناس- نعمة السمع والأبصار" (32:9)
(تعليق) في المواضع الثلاثة يشير النفخ إلى لحظة تمام: تنتهي التسوية، ثم يأتي النفخ. وفي 32:9 يعقب النفخَ مباشرةً ذكرُ السمع والأبصار والأفئدة، أي القوى التي يُدرك بها الإنسان ويميّز. وأن يُقال إن هذا تعريفٌ للروح تجاوزٌ للنص؛ وأن يُقال إن النفخ عتبةٌ يصير بها الجسدُ المسوَّى شيئًا آخر، فذلك باقٍ في حدود المكتوب.
(تعليق) أما إضافة الروح في «من روحي» فكثيرة الجدل. والقرآن يستعمل مثل هذه الإضافة في مواضع أخرى للتشريف لا للتجزئة، و17:85 حين تُلحق الروح بـ«الأمر» تدفع مباشرة قراءةَ المنفوخ على أنه جزء من الذات الإلهية.
الروح المنفوخة: مريم
ويُستعمل الفعل نفسه لشخص واحد بعينه:
وَٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ
"واذكر - أيها الرسول - قصة مريم ابنة عمران التي حفظت فرجها من الحرام، ولم تأتِ فاحشة في حياتها، فأرسل الله إليها جبريل عليه السلام، فنفخ في جيب قميصها، فوصلت النفخة إلى رحمها، فخلق الله بذلك النفخ المسيح عيسى عليه السلام، فحملت به من غير زوج، فكانت هي وابنها بذلك علامة على قدرة الله، وعبرة للخلق إلى قيام الساعة." (21:91)
ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا
"وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم بنت عمران التي حفظت فرجها، وصانته عن الزنى، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام أن ينفخ" (66:12)
أما الرسول المُرسَل إلى مريم فيوصف بأنه مرئيّ على صورة بشر:
فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا
"فجعلت مِن دون أهلها سترًا يسترها عنهم وعن الناس، فأرسلنا إليها الملَك جبريل، فتمثَّل لها في صورة إنسان تام الخَلْق." (19:17)
(تعليق) والمفارقة ظاهرة: ففي 19:17 يُرى «روحنا» ويتمثّل بشرًا؛ وفي 21:91 و66:12 يسمّي اللفظُ نفسُه المنفوخَ لا الحاملَ. فالكلمة تدلّ في آية على الحامل وفي أخرى على المحمول — وهذه ملاحظة مستخرجة من الاستعمال، لا مستوردة من خارجه.
روح من الأمر: الوحي
وثمة مجموعة ثانية تتعلق بالوحي صراحةً، وفي كل موضع منها تقع كلمة «الأمر» بجوار الروح:
يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ
"ينزِّل الله الملائكة بالوحي مِن أمره على مَن يشاء من عباده المرسلين: بأن خوِّفوا الناس من الشرك، وأنه لا معبود بحق إلا أنا، فاتقون بأداء فرائضي وإفرادي بالعبادة والإخلاص." (16:2)
يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ
"إن الله هو العليُّ الأعلى الذي ارتفعت درجاته ارتفاعًا باين به مخلوقاته، وارتفع به قَدْره، وهو صاحب العرش العظيم، ومن رحمته بعباده أن يرسل إليهم رسلا يلقي إليهم الوحي الذي يحيون به، فيكونون على بصيرة من أمرهم؛ لتخوِّف الرسل عباد الله، وتنذرهم يوم القيامة الذي يلتقي فيه الأولون والآخرون." (40:15)
وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا
"وكما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك -أيها النبي- أوحينا إليك قرآنًا من عندنا، ما كنت تدري قبله ما الكتب السابقة" (42:52)
ويُذكر التأييد نفسه عطاءً للمؤمنين لا للرسول وحده:
أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ
"لا تجد -أيها الرسول- قومًا يصدِّقون بالله واليوم الآخر، ويعملون بما شرع الله لهم، يحبون ويوالون مَن عادى الله ورسوله وخالف أمرهما، ولو كانوا آباءهم أو" (58:22)
(تعليق) تُظهر هذه المواضع مجتمعةً أن الروح هنا ليست كائنًا حيًّا، بل شيئًا يُنزَّل ويُوحى. و42:52 أوضحها: فما سُمّي «روحًا» يتلوه ذكر «الكتاب» و«الإيمان»، ثم يوصف بأنه «نور». ومن ترجم الكلمة في هذه المواضع بالوحي أو القرآن فقد اختار اختيارًا، لكنه اختيار مستند إلى السياق القريب.
(تعليق) ووضعُ هذه المجموعة بجوار 17:85 يكشف تقاطعًا لافتًا: كلتاهما تستعمل لفظ «الأمر». وهذا التقاطع هو سند القراءة القائلة إن السؤال في 17:85 كان أصلًا سؤالًا عن الوحي. والنص لا يؤكد ذلك ولا ينفيه؛ إنما يستعمل اللفظ نفسه في الجوار نفسه.
روح القدس والروح الأمين
في ثلاث آيات يُذكر تأييد عيسى بروح القدس:
وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ
"ولقد أعطينا موسى التوراة، وأتبعناه برسل من بني إسرائيل، وأعطينا عيسى ابن مريم المعجزات الواضحات، وقوَّيناه بجبريل عليه السلام. أفكلما جاءكم رسول" (2:87)
إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا
"إذ قال الله يوم القيامة: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك إذ خلقتك من غير أب، وعلى والدتك حيث اصطفيتها على نساء العالمين، وبرأتها مما نُسِب إليها،" (5:110)
ويحمل اللقبُ نفسُه القرآنَ:
قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ
"قل لهم -أيها الرسول-: ليس القرآن مختلَقًا مِن عندي، بل نَزَّله جبريل مِن ربك بالصدق والعدل؛ تثبيتًا للمؤمنين، وهداية من الضلال، وبشارة طيبة لمن أسلموا وخضعوا لله رب العالمين." (16:102)
ويُسمّى الحامل مرة باسم آخر:
نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ
"وإن هذا القرآن الذي ذُكِرَتْ فيه هذه القصص الصادقة، لَمنزَّل مِن خالق الخلق، ومالك الأمر كله، نزل به جبريل الأمين، فتلاه عليك - أيها الرسول - حتى وعيته بقلبك حفظًا وفهمًا؛ لتكون مِن رسل الله الذين يخوِّفون قومهم عقاب الله، فتنذر بهذا التنزيل الإنس والجن أجمعين. نزل به جبريل عليك بلغة عربية واضحة المعنى، ظاهرة الدلالة، فيما يحتاجون إليه في إصلاح شؤون دينهم ودنياهم." (26:193)
(تعليق) في هذه المجموعة لا تكون الروح منفوخةً ولا منزَّلةً، بل فاعلةً: تؤيّد، وتنزّل، وتُبلّغ القلب. و2:253 تكرّر البيان نفسه مرة رابعة. وكثير من التراجم تفسّر اللقب هنا بجبريل، وأقوى سند نصّي لذلك 19:17 حيث يُرسَل «روحنا» ويتمثّل بشرًا سويًّا.
«وروح منه»: 4:171
وأكثر مواضع الكلمة إثارةً للجدل ما ورد في شأن عيسى:
إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ
"يا أهل الإنجيل لا تتجاوزوا الاعتقاد الحق في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق، فلا تجعلوا له صاحبةً ولا ولدًا. إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله أرسله الله" (4:171)
(تعليق) والآية تبني سياجها بنفسها: ففي الجملة نفسها يُقال إن عيسى «رسول الله» فحسب، ثم يأتي النهي «ولا تقولوا ثلاثة»، ثم التنزيه عن الولد. فعبارة «وروح منه» واردة داخل حجّة ضد تأليه عيسى لا في تأييده. ومن المترجمين من يبقي «روح»، ومنهم من يقرؤها «رسالة منه» استنادًا إلى معنى الوحي الذي يحمله اللفظ في مواضع أخرى؛ وحكم الآية لا يتغير في الحالين.
الروح في مشهد القيامة
ثلاث آيات تذكر الروح مع الملائكة، ومنفصلًا عنهم في التركيب:
تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ
"دعا داع من المشركين على نفسه وقومه بنزول العذاب عليهم، وهو واقع بهم يوم القيامة لا محالة، ليس له مانع يمنعه من الله ذي العلو والجلال، تصعد الملائكة وجبريل إليه تعالى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من سني الدنيا، وهو على المؤمن مثل صلاة مكتوبة." (70:4)
يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ صَفًّا
"لهم كل ذلك جزاء ومنَّة من الله وعطاءً كثيرًا كافيًا لهم، ربِّ السموات والأرض وما بينهما، رحمنِ الدنيا والآخرة، لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه، يوم يقوم" (78:38)
تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ
"يكثر نزول الملائكة وجبريل عليه السلام فيها، بإذن ربهم من كل أمر قضاه في تلك السنة." (97:4)
(تعليق) واللافت في الثلاثة هو هذا الانفصال النحوي: الروح فاعلٌ مستقلّ إلى جانب الملائكة. يقول النص أين هو ومع من، ولا يقول ما هو. والتراجم منقسمة هنا انقسامًا ظاهرًا: بعضها يقرأ اللفظ جبريل، وبعضها يقرؤه وحيًا، وبعضها يتركه على حاله.
الروح والنفس
في اللسان الدارج يقال «خرجت الروح» عند الموت. أما اللفظ الذي يستعمله القرآن في هذا السياق فهو «النفس» لا «الروح»:
ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ
"الله- سبحانه وتعالى- هو الذي يقبض الأنفس حين موتها، وهذه الوفاة الكبرى، وفاة الموت بانقضاء الأجل، ويقبض التي لم تمت في منامها، وهي الموتة الصغرى، فيحبس" (39:42)
(تعليق) وهذه من أوضح ثمرات تتبّع المفردة بدل الانطباع. فالآية التي تصف الموت والنوم لا تستعمل الجذر ر-و-ح البتة. وجملة «تُقبض الروح عند الموت» لا يقابلها في ألفاظ القرآن نصٌّ مباشر؛ إنها عادة لسانية موروثة، ولا ينبغي الخلط بينها وبين النص.
ملاحظة في الجذر والمفردة
الأرقام التالية محسوبة من بيانات الكلمات والجذور في هذا الموقع.
| القياس | العدد |
|---|---|
| كلمات الجذر ر-و-ح في القرآن كله | 57 |
| منها صيغ «رِيح» | 29 |
| منها صيغ «رُوح» | 21 |
| عدد الآيات المختلفة التي ورد فيها لفظ «رُوح» | 20 |
| كلمات الجذر ن-ف-خ | 20 |
| منها ما ورد في سياق نفخ الروح | 5 |
(تعليق) يتبيّن من ذلك أمران. الأول أن الدلالة الغالبة للجذر ر-و-ح في القرآن هي «الريح»، وأن «الروح» ثاني أكبر صيغة من الجذر نفسه لا وحيدَها. والثاني أن أكثر مواضع النفخ إنما هي في الصور يوم القيامة، وأن نفخ الروح لم يرد إلا في خمس آيات (15:29 و21:91 و32:9 و38:72 و66:12). فالمَوْتِن المشهور ضيّق متكرّر في النص لا واسع.
قراءات مختلفة
(تعليق) تتنازع الموضوعَ ثلاث قراءات على الأقل، ولكلٍّ منها موطئ قدم في النص.
1. قراءة المدلول الواحد. الروح شيء واحد في كل المواضع، وإنما تختلف السياقات. وسندها التعريف والإفراد في 17:85، وإمكان ردّ كل المواضع إلى مجال «الأمر». وضعفها أنها مضطرة إلى ردّ موضوعات متباعدة كموضوع 4:171 و26:193 إلى مدلول واحد.
2. القراءة الوحيية. المعنى الأصلي هو الوحي؛ والحامل يُسمّى باسم المحمول، والمنفوخ في الإنسان ضرب من البلاغ الإلهي. وسندها مجاورة «الأمر» في 16:2 و40:15 و42:52 و58:22. وضعفها ما تُحدثه من تكلّف في مشهدَي النفخ في 21:91 و66:12.
3. قراءة المعنى بحسب السياق. ليست الكلمة اسمًا لمفهوم واحد بل حقلَ استعمال: فهي بحسب السياق مبدأ الحياة المنفوخ، أو الوحي المنزَّل، أو الرسول الحامل. وهي أقلّ القراءات عنفًا بتنوّع الاستعمال؛ وضعفها أنها ترفض ابتداءً أن تجيب عن سؤال «فما هو إذًا؟».
(تعليق) ولا توجد آية تحسم لواحدة من هذه القراءات. ووجود 17:85 يعني أن أيّها اختير، فلا يصح تقديمه على أنه يقين.
الحدّ الأمين
ما هو قاطع في النص: سُئل عن الروح فكان الجواب أنها من أمر الرب، وأن العلم المعطى فيها قليل (17:85). ويُنفخ فيها بعد تمام التسوية (15:29 و32:9 و38:72). ونُفخ في مريم (21:91 و66:12). وتمثّل الروح المرسَل إليها بشرًا سويًّا (19:17). وتُنزَّل الملائكة بالروح (16:2)، ويُلقى الروح من الأمر (40:15) ويُوحى (42:52). ويؤيَّد المؤمنون بروح منه (58:22). وأُيِّد عيسى بروح القدس (2:87 و2:253 و5:110). ونزل بالقرآن روح القدس (16:102) والروح الأمين (26:193). وعيسى «روح منه» في آية تقول عنه إنه رسول فحسب (4:171). ويُذكر الروح مع الملائكة يوم القيامة (70:4 و78:38 و97:4).
ما يبقى للاجتهاد: ماهية الروح — مِمَّ هي، ومتى تحلّ بالبدن، وأين تستقر بعد مفارقته. وهل ترجع المواضع كلها إلى مدلول واحد. وكيف تُفهم الإضافة في «من روحي». ومن السائل في 17:85 وما الذي قصده. ومن هو الروح القائم صفًّا يوم القيامة. ولا شيء من ذلك مصرَّح به في القرآن.
ما ليس هذا المقال: ليس فلسفة في الروح والبدن، ولا تفصيلًا لأحوال ما بعد الموت، ولا ترجيحًا لقراءة على أخرى، ولا فتوى فقهية. وقد اقتُصر فيه على آيات القرآن، وإحصاء الجذر والمفردة، وترجمة محمد أوكويان التركية.
الخلاصة: يستعمل القرآن لفظ الروح استعمالًا واسعًا ولا يعرّفه ولو مرة واحدة. وحين تُرسَم خريطة الاستعمال لا يبقى في اليد مادةُ معجم، بل حدٌّ: الروح من أمر الرب، والعلم المعطى فيها قليل. وقراءة هذا الحدّ بوصفه خبرًا من النص لا فجوةً فيه أصدقُ وأوفى للنص معًا. فقد أخبرتنا الآية بمقدار ما نعلم؛ والانضباط أن نتذكّر ذلك ونحن نتكلم في الباقي.
المصدر: آيات القرآن الكريم (بترجمة محمد أوكويان التركية) + kuranokuyan.com. مقال قرآني المرجع، فوق المذاهب، موثّق الإحالات.