← الأدلة

الضيف والإكرام: مائدة إبراهيم

الضيف والإكرام: مائدة إبراهيم

بإيجاز

الإكرام في القرآن ليس قاعدة من قواعد اللياقة، بل هو الوجه الظاهر للإيمان. تُروى مائدة إبراهيم لضيوف لا يعرفهم في جُمَل قصيرة: سلامٌ، ثم انصرافٌ في خفية، ثم أفضلُ ما في البيت، ثم تقريبُ الطعام إلى الضيف نفسه. والنصّ نفسه يعدّ الإطعام درجةً من درجات «العقبة»، ويجعله في مقابل التكذيب بالدين، ويكتبه في تعريف البرّ. ثم يضع المقياس صريحًا: لا جزاء ولا شكور. تتبع هذه المقالة وجهَي هذا العطاء — الكرمَ على المائدة، وإخفاءَ الكرم خلفها — على ترتيب الآيات نفسها.

الآيات المذكورة

  • 51:24 — يبدأ حديث ضيف إبراهيم «المكرمين».
  • 51:25 — يدخلون ويسلّمون، فيردّ السلام وهو لا يعرفهم.
  • 51:26 — ينصرف إلى أهله في خفية فيأتي بعجل سمين.
  • 51:27 — يقرّبه إليهم: «ألا تأكلون؟»
  • 51:28 — لمّا لم يأكلوا أحسّ منهم خيفة، فقيل له: لا تخف، وجاءت البشارة.
  • 11:69 — المشهد نفسه: بعد السلام، وبلا لبث، عجل حنيذ.
  • 11:70 — لمّا لم تصل أيديهم إليه أنكرهم.
  • 76:8 — يطعمون المسكين واليتيم والأسير على حبّهم للطعام.
  • 76:9 — المقياس في جملة: لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا.
  • 90:14 — درجة من درجات العقبة: إطعام في يوم ذي مسغبة.
  • 90:15 — يتيمًا ذا مقربة.
  • 90:16 — أو مسكينًا ذا متربة.
  • 107:1 — من الذي يكذّب بالدين؟
  • 107:2 — الذي يدعّ اليتيم.
  • 107:3 — ولا يحضّ على طعام المسكين.
  • 2:177 — البرّ: إيتاء المال على حبّه لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
  • 18:77 — المشهد المضاد: قرية تمتنع عن ضيافة رجلين.

المشهد: مائدة لأناس لا يعرفهم

يبدأ الخبر بسؤال يستدعي القارئ إلى المجلس، ويُسمّي الضيوف بوصفٍ قبل أن يُقال عنهم شيء آخر.

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ

«هل أتاك -أيها الرسول- حديث ضيف إبراهيم الذين أكرمهم- وكانوا من الملائكة الكرام- حين دخلوا عليه في بيته، فحيَّوه قائلين له: سلامًا، فردَّ عليهم التحية قائلا سلام عليكم، أنتم قوم غرباء لا نعرفكم.» (51:24-25)

(تفسير/رأي) لحظة إعداد المائدة سابقة على لحظة المعرفة. فالنصّ لم يخبر إبراهيم بعدُ من هؤلاء الزائرون، وعبارة «قوم منكرون» قائمة كما هي. فالإكرام إذًا ليس جائزة تُمنح بعد التحقّق من الهويّة أو القرابة أو الملّة، بل يُبذل لمن دخل من الباب.

ثم تأتي سلسلة أفعال قصيرة، لكلّ فعل منها دلالة.

فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ

«فعَدَلَ ومال خفية إلى أهله، فعمد إلى عجل سمين فذبحه، وشواه بالنار، ثم وضعه أمامهم، وتلَّطف في دعوتهم إلى الطعام قائلا ألا تأكلون؟» (51:26-27)

(تفسير/رأي) أوّلًا: لم يقل النصّ إنه «ذهب» فحسب، بل اختار فعلًا يفيد المَيْل في خفية، بحيث لا يشعر الضيف بالكلفة. فالإعداد لا يُعرَض أمام الزائر. وثانيًا: الحيوان «سمين»، أي خير ما في البيت لا فضلَته. وثالثًا: الطعام لا يُشار إليه من بعيد، بل يُقرَّب، ويُعرَض بصيغة سؤال لا بصيغة أمر. ثلاث دعائم للإكرام في آيتين: إخفاء الكلفة، والسخاء، وترك الضيف حرًّا.

ويُروى المشهد مرّة أخرى في سورة هود بألفاظ أخرى، والتشديد هناك على الزمن.

فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ

«ولقد جاءت الملائكة إبراهيم يبشرونه هو وزوجته بإسحاق، ويعقوبَ بعده، فقالوا: سلامًا، قال ردًّا على تحيتهم: سلام، فذهب سريعًا وجاءهم بعجل سمين مشويٍّ ليأكلوا منه.» (11:69)

(تفسير/رأي) قوله «فما لبث» يفيد أنّ العطاء لم يُؤجَّل: لا إلى يوم أنسب ولا إلى دعوة مرتَّبة. فالكرم الذي يصفه النصّ استجابةٌ في حينها، لا موعدٌ في تقويم.

ونهاية المشهد تُظهر من الجهة المقابلة لماذا مُدّت المائدة: الضيوف لا يأكلون.

فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ

«فلما رأى إبراهيم أيديهم لا تَصِل إلى العجل الذي أتاهم به ولا يأكلون منه، أنكر ذلك منهم، وأحس في نفسه خيفة وأضمرها، قالت الملائكة -لما رأت ما بإبراهيم من الخوف-: لا تَخَفْ إنا ملائكة ربك أُرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم.» (11:70)

فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ

«فلما رآهم لا يأكلون أحسَّ في نفسه خوفًا منهم، قالوا له: لا تَخَفْ إنا رسل الله، وبشروه بأن زوجته "سَارَةَ" ستلد له ولدًا، سيكون من أهل العلم بالله وبدينه، وهو إسحاق عليه السلام.» (51:28)

(تفسير/رأي) لم يغضب إبراهيم لامتناعهم، بل خاف. فعناية النصّ ليست بكبرياء المضيف بل بأمان العلاقة. والمائدة لم تُنشئ دَينًا: حين لم تُمسَّ لم يكن أوّل ما خطر له أنّ تعبه ضاع.

بلا جزاء ولا شكور

في سورة الإنسان يوضع مقياس العطاء في جملة معلنة. أوّلًا تُذكر جهة العطاء.

وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا

«هذا الشراب الذي مزج من الكافور هو عين يشرب منها عباد الله، يتصرفون فيها، ويُجْرونها حيث شاؤوا إجراءً سهلا. هؤلاء كانوا في الدنيا يوفون بما أوجبوا على أنفسهم من طاعة الله، ويخافون عقاب الله في يوم القيامة الذي يكون ضرره خطيرًا، وشره فاشيًا منتشرًا على الناس، إلا مَن رحم الله، ويُطْعِمون الطعام مع حبهم له وحاجتهم إليه، فقيرًا عاجزًا عن الكسب لا يملك من حطام الدنيا شيئًا، وطفلا مات أبوه ولا مال له، وأسيرًا أُسر في الحرب من المشركين وغيرهم، ويقولون في أنفسهم: إنما نحسن إليكم ابتغاء مرضاة الله، وطلب ثوابه، لا نبتغي عوضًا ولا نقصد حمدًا ولا ثناءً منكم. إنا نخاف من ربنا يومًا شديدًا تَعْبِس فيه الوجوه، وتتقطَّبُ الجباه مِن فظاعة أمره وشدة هوله.» (76:8-10)

(تفسير/رأي) الآيتان تحدّان الفعل من طرفيه. فالمبذول ليس الفائض، بل طعامٌ يحبّه الباذل ويحتاجه. والمردود المرفوض ليس ماديًّا فقط: حتى الشكر مردود. فالرياء، وتحميل الآخر منّة، والرغبة في أن يُذكَر — كلّها تخرج في عبارة واحدة. وفي ذلك إيماء إلى أنّ الثناء نفسه نوع من الأجر؛ ومن قبض أجره فقد استوفى.

والمذكورون ثلاثة: المسكين واليتيم والأسير. والأسير في ذلك السياق من الجهة المقابلة، فالطعام المبذول له لا عائد دنيويّ له البتّة.

العقبة: أن يكون الإطعام تسلُّقًا

تسمّي سورة البلد الأمر الشاقّ أمام الإنسان «عقبة»، ثم تعدّد درجاتها.

أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ

«أو إطعام في يوم ذي مجاعة شديدة، يتيمًا من ذوي القرابة يجتمع فيه فضل الصدقة وصلة الرحم، أو فقيرًا معدمًا لا شيء عنده.» (90:14-16)

(تفسير/رأي) تسمية الإطعام عقبةً تقول إنّه ليست فضيلة سهلة. وقد عُيّن الزمن أيضًا: يوم ذو مسغبة، أي اليوم الذي يكون فيه الباذل أحوجَ ما يكون إلى ما في يده. وكون اليتيم «ذا مقربة» يشير إلى أنّ الدائرة تبدأ من القريب؛ فلا ينبغي أن يسبق الاهتمامُ بألم بعيد الاهتمامَ بألمٍ في الجوار.

اليتيم والمسكين: امتحان في الاعتقاد

تعكس سورة الماعون المسألة. فالسؤال يُفتح بالاعتقاد لا بالأخلاق.

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ

«أرأيت حال ذلك الذي يكذِّب بالبعث والجزاء؟» (107:1)

فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ

«فذلك الذي يدفع اليتيم بعنف وشدة عن حقه؛ لقساوة قلبه.» (107:2)

«ولا يحضُّ غيره على إطعام المسكين، فكيف له أن يطعمه بنفسه؟» (107:3)

(تفسير/رأي) والجواب غير متوقَّع. فلـ«المكذّب بالدين» لم يُذكر بند اعتقاديّ، بل سلوكان: دفعُ اليتيم، وتركُ الحضّ على طعام المسكين. وفي الثاني لا فعل أصلًا؛ إنما يُذكر الرجل لتركه الحثّ. وهذا ينقل مسألة العطاء من الفضيلة الفردية إلى موقف اجتماعيّ مشترك.

«على حبّه»: تعريف البرّ

في سورة البقرة يُعرَّف البرّ، وبعد بنود الإيمان مباشرة يأتي فعل الإيتاء.

وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ

«ليس الخير عند الله- تعالى- في التوجه في الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، وإنما الخير كل الخير هو إيمان من آمن بالله وصدَّق به معبودًا وحدَه لا شريك له، وآمن بيوم البعث والجزاء، وبالملائكة جميعًا، وبالكتب المنزلة كافة، وبجميع النبيين من غير تفريق، وأعطى المال تطوُّعًا -مع شدة حبه- ذوي القربى، واليتامى المحتاجين الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، والمساكين الذين أرهقهم الفقر، والمسافرين المحتاجين الذين بَعُدوا عن أهلهم ومالهم، والسائلين الذين اضطروا إلى السؤال لشدة حاجتهم، وأنفق في تحرير الرقيق والأسرى، وأقام الصلاة، وأدى الزكاة المفروضة، والذين يوفون بالعهود، ومن صبر في حال فقره ومرضه، وفي شدة القتال. أولئك المتصفون بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم، وأولئك هم الذين اتقَوا عقاب الله فتجنبوا معاصيه.» (2:177)

(تفسير/رأي) التعريف يُخرِج البرّ من نزاع الجهة والصورة ويربطه بقائمة أفعال محسوسة. وكونُ المبذول محبوبًا يطابق 76:8 تمامًا — وهذان الموضعان هما الوحيدان في النصّ اللذان ترد فيهما هذه العبارة (انظر ملاحظة الألفاظ أدناه). وفي القائمة «السائلون» أيضًا: أي لا من يختارهم الباذل ويراهم أهلًا، بل كلّ من سأل.

المشهد المضاد: قرية لا تُضيّف

لا يعرض القرآن الإكرام بمثاله الموجب وحده. ففي خبر موسى وصاحبه تمتنع قرية عن إطعام رجلين سألا.

ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا

«فذهب موسى والخَضِر حتى أتيا أهل قرية، فطلبا منهم طعامًا على سبيل الضيافة، فامتنع أهل القرية عن ضيافتهما، فوجدا فيها حائطًا مائلا يوشك أن يسقط، فعدَّل الخَضِر مَيْلَه حتى صار مستويًا، قال له موسى: لو شئت لأخذت على هذا العمل أجرًا تصرفه في تحصيل طعامنا حيث لم يضيفونا.» (18:77)

(تفسير/رأي) هذه الآية عكس مشهد إبراهيم تمامًا. إبراهيم يمدّ المائدة لمن لا يعرف من غير أن يُسأل، وأهل القرية يمنعون ما سُئلوا إيّاه صراحة. والفرق يُعرض بوصفه فرقًا في الخُلق لا في الحكم؛ فالنصّ لا يقضي على أهل القرية بشيء، إنما يسجّل ما جرى.

ملاحظة في الجذور والألفاظ

الأرقام التالية محسوبة من جداول الكلمات والجذور في هذه المنصّة.

اللفظالجذرالموضعملاحظة
ضَيْفض-ي-ف51:24من هذا الجذر ستّ كلمات فقط في القرآن: 11:78، 15:51، 15:68، 18:77، 51:24، 54:37. فلفظ «الضيف» نادر في النصّ، وأكثر مواضعه داخل مشهد قصصيّ.
ٱلْمُكْرَمِينَك-ر-م51:24يُوصف الزائرون بأنهم «مكرمون» قبل أن يُعرَّف بهم أصلًا.
فَرَاغَر-و-غ51:26من هذا الجذر ثلاث كلمات فقط: 37:91، 37:93، 51:26، والمعنى في الثلاثة مَيْلٌ في خفية.
بِعِجْلٍع-ج-ل51:26 و 11:69من مواضع الجذر السبعة والأربعين عشرةٌ فقط بمعنى «العجل» الحيوان، وسائرها بمعنى العَجَلة.
عَلَىٰ حُبِّهِح-ب-ب76:8 و 2:177لا ترد هذه العبارة إلا في هذين الموضعين، وفي كليهما إلى جانب فعل عطاء.
ٱسْتَطْعَمَا / يُضَيِّفُوهُمَاط-ع-م / ض-ي-ف18:77آية واحدة تجمع «طلب الطعام» و«التضييف»؛ ومن جذر ط-ع-م ثمانٍ وأربعون كلمة في القرآن.

(تفسير/رأي) نُدرة الجذر ر-و-غ قرينة على قراءة 51:26: فقد اختار النصّ هذا الفعل بدل فعل ذهاب عاديّ. ولا يُبنى على اختيار لفظ حكمٌ، لكنه يقول شيئًا عن نبرة المشهد.

قراءات مختلفة

(تفسير/رأي) قراءة لغوية تُبرز ما في فعل 51:26 من خفية وتقرأ المشهد بوصفه أدبًا في الضيافة: تُخفى كلفة المضيف. وهي قريبة من النصّ، غير أنّ سعة معنى الفعل لا تُلزم بقراءة واحدة.

(تفسير/رأي) قراءة أخلاقية تشريعية تجمع 76:9 و90:14-16 و107:1-3 و2:177، وترى الإطعام واجبًا جماعيًّا لا فضيلة خاصّة. فإذا كان تركُ الحضّ نفسه مأخذًا، فالمسألة مسألة نظام اجتماعيّ لا سخاء فرديّ فحسب.

(تفسير/رأي) قراءة قصصية تأخذ مشهد إبراهيم مثالًا لا مصدر أحكام: فالنصّ لا يقدّر مقدارًا، بل يعرض سلوكًا ويترك للقارئ أن يجد نظيره في سياقه. وفي هذه القراءة تكمل 18:77 الصورة بوصفها المثال المضادّ.

والقراءات الثلاث لا يُلغي بعضها بعضًا؛ فكلٌّ منها يجيب عن سؤال مختلف.

الحدّ الأمين

ما هو صريح في النصّ: أنّ إبراهيم أكرم ضيوفه قبل أن يعرفهم (51:25-27)، وأنّه أعدّ الطعام سريعًا ومن حيوان سمين (11:69)، وأنّه قرّبه وعرضه (51:27)؛ وأنّ المسكين واليتيم والأسير يُطعَمون بلا جزاء ولا شكور (76:8-9)؛ وأنّ الإطعام من درجات العقبة (90:14-16)؛ وأنّ دعّ اليتيم وترك الحضّ على طعام المسكين يُذكران مع التكذيب بالدين (107:1-3)؛ وأنّ إيتاء المال على حبّه داخل في تعريف البرّ (2:177).

ما يبقى تفسيرًا: أيّ قاعدة عمليّة اليوم تُستخرج من هذه المشاهد. فالمقدار، ومن يُعدّ ضيفًا، وأين ينقلب الإكرام إسرافًا — كلّ ذلك غير محدَّد في النصّ. كما أنّ النصّ لا يفسّر امتناع ضيوف إبراهيم عن الطعام، إنما يسجّل ردّ فعله.

ما ليست هذه المقالة: ليست قائمة في آداب المائدة. إنما تقرأ خطًّا سلوكيًّا من آيات القرآن؛ وأمّا كيف فُصّل هذا الخطّ في الأدب الفقهيّ لاحقًا فبحث آخر لم يُدخَل هنا.

الخلاصة: الإكرام في القرآن يبدأ قبل أن يُعرَف الضيف، ويكون من خير ما في البيت، ويُخفي كلفته، ولا ينتظر شيئًا في المقابل — ولا حتى شكرًا. مائدة إبراهيم صورة هذا المقياس، و76:9 عبارته. والمسافة بينهما هي التي تحوّل الإكرام من لياقة إلى علامة إيمان.

المصدر: آيات القرآن (التفسير الميسّر في النسخة العربية، ومعاني م. أوكويان في النسخة التركية). يُقدَّم مع التمييز بين النصّ والتفسير، وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة

الضيف والإكرام: مائدة إبراهيم · islamkuran