← الدعوى والدليل

ما مدى قدرة الله وعظمته؟ آيات في القرآن تُظهر قدرة الله

السؤال: «كيف يصف القرآن قدرة الله وقوّته؟ وما الآيات التي تُظهر قدرته؟»

القرآن لا يُعرِّف قدرة الله تعريفًا مجرّدًا — بل يُريها. يبدأ بالكون أمام أعيننا؛ وفي كل صفحة يسأل: «أفلا تبصرون؟»، «أفلا تتفكّرون؟». هذا المقال يعرض قدرة الله من خلال آيات القرآن نفسها — باعتدالٍ واحترام.


١. خالق السماوات والأرض — القدرة الكونية

يبدأ القرآن في عرض القدرة بالخلق مباشرة:

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ (٧:٥٤)

﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢١:٣٠)

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (٥١:٤٧)

﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا﴾ (٧٩:٢٧)

(تأويل) السؤال البلاغي في ٧٩:٢٧ لافت: البشر يحاولون فهم السماوات منذ آلاف السنين؛ والقرآن يسأل: «أخلقكم أشدّ أم هذا الكون اللامتناهي؟» والجواب واضح.

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ (١٣:٢)

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٣١:١٠)

(ملاحظة) عبارة «بغير عمدٍ ترونها» في ١٣:٢ و ٣١:١٠ — السماوات معلّقة في الفراغ وتراها بأعينكم — وصفٌ لافت لشبه الجزيرة العربية في القرن السابع.


٢. كل شيء تحت سيطرته في كل لحظة — قدرة مستمرة

قدرة الله ليست محصورة في لحظة الخلق، بل فاعلة في كل آن:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ﴾ (٣٥:٤١)

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (٣٠:٢٥)

(تأويل) الكون عند القرآن لا يقوم بنفسه، بل بإمساك الله المستمر. وفي الكلام الكلاسيكي يسمّى هذا "الخلق المستمر".

﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٤:٤٥)

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣:٢٦)

﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣:٢٧)


٣. عالم كل شيء — القدرة بُعدًا معرفيًّا

لا تنفصل قدرة الله عن علمه المطلق:

﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٦:٥٩)

(ملاحظة) ٦:٥٩ من أبلغ آيات القدرة في القرآن: حتى ورقةٌ لا تسقط إلا بعلمه. هذا تصويرٌ للقدرة يشمل المقياسَ الفلكي والذرّي في آنٍ واحد.

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ (٥٧:٤)

﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (٣١:٣٤)

(تأويل) ٣١:٣٤ يرسم حدّ المعرفة البشرية في خمسة أمور — الساعة، الغيث، الأرحام، كسب الغد، أرض الموت — ويجعل علمها لله وحده. هذا بُعد "العِلم" من القدرة.


٤. محيي الموتى — قدرة البعث

من أكثر تجلّيات القدرة تكرارًا في القرآن إحياء الموتى:

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (٣٦:٨١)

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤٦:٣٣)

(ملاحظة) عبارة «ولم يعيَ» في ٤٦:٣٣ لافتة: إن كان خلق السماوات والأرض لم يُتعِب الله — وها هي قائمة أمامنا — أفيُتعبه إحياء الموتى؟ الحجّة منطقية: من فعل الأكبر، يقدر قطعًا على الأصغر.

﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٣١:٢٨)

(تأويل) ٣١:٢٨ يقول إن قدرة الله لا تجد فرقًا في الصعوبة بين "شخص واحد" و"البشرية كلها" — عنده سواء.

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢٩:١٩)

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٩:٢٠)


٥. "كن فيكون" — الكلمة الخالقة

أوجز تعبير عن القدرة في القرآن هو صيغة "كن فيكون":

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٢:١١٧)

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٣٦:٨٢)

﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (١٦:٤٠)

(تأويل) تؤكّد هذه الصيغة أن قدرة الله لا تحتاج إلى عملية ولا أداة ولا زمن. الإنسان يحتاج مادةً وزمنًا ومراحل ليصنع شيئًا؛ أمّا إرادة الله فهي سبب الوجود المباشر.


٦. أسماؤه الحسنى — صفات القدرة

ختام سورة الحشر (٥٩:٢٢–٢٤) يعدّد صفات قدرة الله متتابعة:

﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ • هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ... هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ... وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥٩:٢٢–٢٤)

(ملاحظة) في هذه الآيات يتكرّر اسم العزيز مرّتين. وكذلك أسماء الجبّار والقدير والقوي تصف قدرة الله في القرآن.

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦٤:١)

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣:١٨٩)

﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣٦:٨٣)


حدٌّ أمين

  • القطعيّ في النصّ: يصف القرآن قدرة الله بالخلق (٧:٥٤، ٢١:٣٠، ٥١:٤٧) والعلم (٦:٥٩، ٣١:٣٤، ٥٧:٤) والإحياء (٣٦:٨١–٨٢، ٤٦:٣٣) والقدرة المطلقة (٣:١٨٩، ٦٤:١). وتتكرّر عبارة «إن الله على كل شيء قدير» عشرات المرّات.
  • في حيّز التأويل: سؤال «ما قدرة الله بالضبط وكيف تعمل؟» سؤالٌ كلاميّ؛ والقرآن لا يعطي آليّة — بل يعطي شواهد: السماء، الأرض، الكائنات، البعث. يقول: «انظروا». أمّا عن كيفيّة (كيفية) القدرة فيصمت، معترفًا بحدّ العقل البشري.
  • لا يُخلط: «الله على كل شيء قدير» لا تعني «الله يفعل المستحيل المنطقي أيضًا». هذه مسألة مختلفة تفسَّر تفاسير شتّى بين المذاهب الكلامية (طالع/ي مقالة القدر والإرادة الحرّة).

الخلاصة: القرآن لا يصِف قدرة الله بجملة تعريف — بل بسرد الأدلّة: قُبّة السماء، المطر النازل، الورقة الساقطة، الجنين في الرحم، الموتى الذين سيُبعثون — كلّها شواهد على قدرته. «أفلا تبصرون؟» هي الدعوة الصامتة خلف كل آية.

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة