← الأدلة

مريم: امتحان امرأة وميلاد عيسى

مريم: امتحان امرأة وميلاد عيسى

باختصار

مريم هي المرأة الوحيدة التي ورد اسمها صريحًا في القرآن، وسورة كاملة تحمل اسمها (سورة مريم، 98 آية). ويرد اسمها 34 مرة، في 31 آية، وفي 12 سورة — وهذه الأعداد محسوبة من نصّ القرآن نفسه. تتجمّع قصّتها في موضعين رئيسين: بشارة الملائكة في آل عمران (3:42-47)، والانتباذ والحمل والولادة ومواجهة القوم في سورة مريم (19:16-36). والنصّ إذ يخبر عن آية، يسجّل في الوقت نفسه وحدة امرأة وخوفها وألم مخاضها وصبرها على البهتان. تتبع هذه المقالة الحبكة بالترتيب من نصّ الآيات، ويُفصَل كل استنتاج في فقرة تبدأ بعلامة *(قراءة)*.

الآيات المستعملة

  • 19:16 — مريم تنتبذ من أهلها مكانًا شرقيًّا.
  • 19:17 — تتّخذ حجابًا، فيُرسَل إليها الروح متمثّلًا بشرًا سويًّا.
  • 19:18 — أوّل ما تنطق به استعاذة.
  • 19:19 — يعرّف الآتي نفسه رسولًا يبشّر بغلام زكيّ.
  • 19:20 — اعتراضها: لم يمسسني بشر ولم أكُ بغيًّا.
  • 19:21 — الجواب: هو على ربك هيّن، والغلام آية ورحمة.
  • 19:22 — تحمل به وتنتبذ مكانًا قصيًّا.
  • 19:23 — المخاض يلجئها إلى جذع النخلة، فتتمنّى الموت.
  • 19:24 — «ألا تحزني» — تحتها سَريّ.
  • 19:25 — تُؤمَر بهزّ الجذع، فيتساقط رطب جنيّ.
  • 19:26 — نذر الصمت: فلن أكلّم اليوم إنسيًّا.
  • 19:27 — تأتي بولدها قومها، فيقابلونها بالاتهام.
  • 19:28 — الاتهام يُبنى على النسب.
  • 19:29 — لا تتكلّم، بل تشير إلى الصبيّ.
  • 19:30 — أوّل كلمة من المهد: إني عبد الله.
  • 19:31 — البركة والصلاة والزكاة.
  • 19:32 — البرّ بالوالدة، لا الجبروت.
  • 19:33 — السلام يوم الولادة والموت والبعث.
  • 19:34 — هذا قول الحقّ الذي فيه يمترون.
  • 19:35 — ما كان لله أن يتّخذ من ولد؛ يقول: كن فيكون.
  • 19:36 — «إنّ الله ربي وربكم».
  • 3:42 — الملائكة: اصطفاكِ وطهّركِ واصطفاكِ على نساء العالمين.
  • 3:43 — الأمر الذي يعقب الاصطفاء: القنوت والسجود والركوع.
  • 3:45 — البشارة: اسمه المسيح عيسى ابن مريم.
  • 3:46 — يكلّم الناس في المهد وكهلًا.
  • 3:47 — الاعتراض نفسه والجواب نفسه: كن فيكون.
  • 3:59 — مثل عيسى عند الله كمثل آدم.
  • 21:91 و 66:12 — التي أحصنت فرجها، ونُفخ فيها من الروح، وصدّقت.
  • 4:156 — النصّ نفسه يسمّي ما قيل عنها بهتانًا عظيمًا.
  • 5:75 — كان عيسى وأمّه يأكلان الطعام.

١. الانتباذ إلى مكان شرقيّ

تُفتتح القصة بأمرٍ واحد: اذكر.

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا

«واذكر - أيها الرسول - في هذا القرآن خبر مريم إذ تباعدت عن أهلها، فاتخذت لها مكانًا مما يلي الشرق عنهم.» (19:16)

ثم تتضاعف الوحدة: مكانٌ أوّلًا، ثم حجاب.

فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا

«فجعلت مِن دون أهلها سترًا يسترها عنهم وعن الناس، فأرسلنا إليها الملَك جبريل، فتمثَّل لها في صورة إنسان تام الخَلْق.» (19:17)

(قراءة) أوّل حركة في الحكاية تنسب إلى مريم نفسها: هي التي انتبذت، وهي التي اتّخذت الحجاب. ثم يأتي الخارق فيقطع هذا الفعل ولا يلغيه. واللفظ نفسه لافت: الآتي يظهر في صورة إنسان تامّ الخلق؛ فالمشهد لا يُبنى بوصفه مشهد رعب بل بوصفه مشهدًا عاديًّا — ولهذا بالذات يكون مقلقًا، وعليه يقوم الاعتراض التالي.

٢. أوّل ردّ: الاستعاذة

قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا

«قالت مريم له: إني أستجير بالرحمن منك أن تنالني بسوء إن كنت ممن يتقي الله.» (19:18)

قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا

«قال لها المَلَك: إنما أنا رسول ربك بعثني إليك؛ لأهب لك غلامًا طاهرًا من الذنوب.» (19:19)

(قراءة) أوّل جملة تقولها مريم ليست دعاءً بل حدًّا ترسمه. هي لا تعرف من أمامها، فتقيسه بمعياره الذي يدّعيه: «إن كنت تقيًّا». العفّة هنا ليست صفة ساكنة، بل خطٌّ يُرسم لحظةَ الخطر. والجواب يحترم هذا الخطّ: يعلن الآتي قصده قبل أن يستطرد في التعريف بنفسه.

٣. «ولم يمسسني بشر»

قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا

«قالت مريم للمَلَك: كيف يكون لي غلام، ولم يمسسني بشر بنكاحٍ حلال، ولم أكُ زانية؟» (19:20)

قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ

«قال لها المَلَك: هكذا الأمر كما تصفين من أنه لم يمسسك بشر، ولم تكوني بَغِيًّا، ولكن ربك قال: الأمر عليَّ سهل.» (19:21)

(قراءة) الاعتراض يرفض أمرين معًا: لا اتّصال بحلال، ولا اتّصال بحرام. فمريم لا تقرّر استحالة بيولوجية فحسب، بل تردّ سلفًا التهمة التي سترمى بها بعد حين. والنصّ يضع هذا الكلام في فمها هي: براءتها قائمة على شهادتها ثم على التصديق الإلهي، لا على شهادة أحد سواها. ثم ينقل الجواب المقياس كلَّه: السؤال ليس ما يمكن لمريم، بل ما هو «هيّن» على ربّها. ويتكرّر المعنى نفسه في 3:47.

٤. مكان قصيّ ونخلة ومخاض

۞ فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًا قَصِيًّا

«فحملت مريم بالغلام... فتباعدت به إلى مكان بعيد عن الناس.» (19:22)

فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَـٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا

«فألجأها طَلْقُ الحمل إلى جذع النخلة فقالت: يا ليتني متُّ قبل هذا اليوم، وكنت شيئًا لا يُعْرَف، ولا يُذْكَر.» (19:23)

(قراءة) هذه أشدّ جمل القصّة إنسانيةً. الاصطفاء لا يرفع الألم. والنصّ ينقل تمنّي الموت من غير تلطيف؛ بل إنّ التمنّي ليس الموت وحده، وإنما أن تكون «نسيًا منسيًّا» — أي إنّ أشدّ ما تخافه ليس الموت بل أن يُتحدَّث عنها. وأن يَدَع القرآن أمَّ نبيٍّ تقول هذا، تسجيلٌ نادر لاجتماع الضيق مع الإيمان.

ثم يأتي التثبيت، وهو محسوس تمامًا: ماء وطعام.

فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا

«فناداها جبريل أو عيسى: أن لا تَحزني، قد جعل ربك تحتك جَدْول ماء.» (19:24)

وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا

«وحَرِّكي جذع النخلة تُسَاقِطْ عليك رطبًا غَضًّا جُنِيَ مِن ساعته.» (19:25)

(قراءة) العزاء ليس كلامًا مجرّدًا، بل جدولٌ ونخلة. ثم إنّ فعل الهزّ متروك لها هي. وأن يُقال لامرأةٍ في مخاضها «هزّي» يمكن أن يُقرأ على أنّ العون لا يلغي فعل الإنسان. النصّ لا يضع الآية في مقابل الجهد، بل يصل بينهما.

٥. نذر الصمت

فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا

«فكلي من الرطب، واشربي من الماء وطيـبي نفسًا بالمولود، فإن رأيت من الناس أحدًا فسألك عن أمرك فقولي له: إني أَوْجَبْتُ على نفسي لله سكوتًا، فلن أكلم اليوم أحدًا من الناس.» (19:26)

(قراءة) الأمر الموجَّه إلى مريم ليس أن تدافع عن نفسها، بل أن تصمت. وهذه أغرب حركات القصّة وأشدّها فاعلية: الدفاع سيأتي لا منها، بل من الطفل الذي هو موضوع التهمة نفسها. و«الصوم» هنا امتناع عن الكلام لا عن الطعام؛ وجذر ص و م يرد في القرآن 14 مرة، وهذا أحد مواضعه.

٦. الاتهام والإشارة

فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ ۖ قَالُوا۟ يَـٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا

«فأتت مريم قومها تحمل مولودها من المكان البعيد، فلما رأوها كذلك قالوا لها: يا مريم لقد جئت أمرًا عظيمًا مفترى.» (19:27)

يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا

«يا أخت الرجل الصالح هارون ما كان أبوك رجل سوء يأتي الفواحش، وما كانت أمك امرأة سوء تأتي البِغاء.» (19:28)

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا

«فأشارت مريم إلى مولودها عيسى ليسألوه ويكلموه، فقالوا منكرين عليها: كيف نكلم مَن لا يزال في مهده طفلا رضيعًا؟» (19:29)

(قراءة) طريقة بناء الاتهام لافتة: يُسمّى الفعل أوّلًا، ثم يُساق التخجيل عبر النسب. وجملة «ما كان أبوك... وما كانت أمك...» آلية ما زالت مألوفة إلى اليوم: تأديب الشخص من طريق أهله. ومريم لا تنطق بحرف. فعلها الوحيد في هذا المشهد إشارةٌ بيدها. والنصّ يجعل الصمت أمام البهتان لا ضعفًا بل خيارًا يقلب النتيجة. وفي موضع آخر يُسمّى هذا البهتان باسمه (4:156).

٧. الجواب من المهد

قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا

«قال عيسى وهو في مهده يرضع: إني عبد الله، قضى بإعطائي الكتاب، وهو الإنجيل، وجعلني نبيًا.» (19:30)

وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا

«وجعلني بارًّا بوالدتي، ولم يجعلني متكبرًا ولا شقيًا، عاصيًا لربي.» (19:32)

وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا

«والسلامة والأمان عليَّ من الله يوم وُلِدْتُ، ويوم أموت، ويوم أُبعث حيًا يوم القيامة.» (19:33)

(قراءة) أوّل كلمة في الجواب «عبد». فخروج الولادة عن المألوف لا يُساق لرفع مقام المولود، بل — على العكس — لرسم حدوده. وما يتبع يؤكّد ذلك: كتاب، ونبوّة، وبركة، وتكليف بالصلاة والزكاة (19:31)، وبِرٌّ بالوالدة. وتبرئة مريم لا تتمّ بخطبة دفاع، بل بإعلان ابنها أنه عبد. وثمّة تفصيل آخر: في 19:32 تُدرَج الأمّ في البرنامج الأخلاقي للابن؛ فالمرأة المتَّهمة تقف في قلب الجواب.

٨. حيث ترسو الحكاية

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ

«ما كان لله تعالى ولا يليق به أن يتخذ مِن عباده وخَلْقه ولدًا، تنزَّه وتقدَّس عن ذلك.» (19:35)

وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ

«وقال عيسى لقومه: وإن الله الذي أدعوكم إليه هو وحده ربي وربكم فاعبدوه وحده لا شريك له.» (19:36)

(قراءة) النصّ نفسه يسدّ الطريق أمام استنتاج الألوهية من خروج الولادة عن المألوف. ويُسدّ الباب نفسه في موضع آخر بالقياس: لو كان الخلق من غير أب دليلًا على الألوهية، لكان مثل آدم أولى (3:59). وفي موضع ثالث يُنزَل المقياس إلى تفصيل يوميّ: كانا يأكلان الطعام (5:75).

٩. البشارة في آل عمران

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ

«واذكر -أيها الرسول- حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله اختاركِ لطاعته وطهَّركِ من الأخلاق الرذيلة، واختاركِ على نساء العالمين في زمانك.» (3:42)

يَـٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

«يا مريم داومي على الطاعة لربك، وقومي في خشوع وتواضع، واسجدي واركعي مع الراكعين.» (3:43)

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ

«يا مريم إن الله يُبَشِّرْكِ بولد يكون وجوده بكلمة من الله... اسمه المسيح عيسى ابن مريم، له الجاه العظيم في الدنيا والآخرة.» (3:45)

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ

«ويكلم الناس في المهد بعد ولادته، وكذلك يكلمهم في حال كهولته بما أوحاه الله إليه.» (3:46)

(قراءة) رواية آل عمران لا تحمل الثقل الشعوري الذي في سورة مريم؛ إنّما تحدّد المقام. والاصطفاء يُذكر بفعلين: اختار وطهّر. ثم يأتي الأمر مباشرةً فينزع عن الاصطفاء صفة الامتياز: اقنتي، اسجدي، اركعي مع الراكعين. أي إنّ الاصطفاء زيادةٌ في التكليف لا في الحظّ. ثم إنّ 3:46 تخبر سلفًا بالمشهد الذي سيقع في 19:29-33؛ وبهذه الجملة يرتبط الموضعان.

ملاحظة في الجذور والألفاظ

الأعداد التالية محسوبة من نصّ القرآن، وهي مجموع ورود الجذر.

الجذراللفظ في القصّةمجموع الورود
ن ب ذٱنتَبَذَتْ (19:16), فَٱنتَبَذَتْ (19:22)12
ح ج بحِجَابًا (19:17)8
ر و حرُوحَنَا (19:17)57
م س سيَمْسَسْنِى (19:20)61
ب غ يبَغِيًّا (19:20, 19:28)96
م خ ضٱلْمَخَاضُ (19:23)1
ج ذ عجِذْعِ (19:23, 19:25)3
ر ط برُطَبًا (19:25)2
س ر يسَرِيًّا (19:24)8
ص و مصَوْمًا (19:26)14
م ه دٱلْمَهْدِ (19:29)16
ك ه لوَكَهْلًا (3:46)2
ص ف وٱصْطَفَىٰكِ (3:42، مرتين)17
ط ه روَطَهَّرَكِ (3:42)31

ثلاثة أعداد لافتة. الأوّل: جذر م خ ض يرد في القرآن مرة واحدة فقط، وهي 19:23 — فألم المخاض لفظ خُصّ به لحظةٌ واحدة لامرأة واحدة. والثاني: جذر ك ه ل يرد مرتين فقط (3:46 و 5:110)، وكلتاهما في عيسى. والثالث: جذر ن ب ذ يرد في القصّة مرّتين لانتباذين مختلفين: واحد قبل البشارة (19:16)، وآخر قبل الولادة (19:22).

أمّا اسم مريم فيرد 34 مرة، في 31 آية، وفي 12 سورة. وهي المرأة الوحيدة المسمّاة في النصّ، وذِكرها أكثر من ذِكر أكثر الأنبياء.

قراءات مختلفة

(قراءة) للقصّة أكثر من قراءة معقولة، والنصّ يترك لكلٍّ منها مجالًا.

قراءة لغوية. مَن المقصود بـ«روحنا»، ومَن الذي نادى «من تحتها» في 19:24 (الملَك أم الوليد)، وهل «أخت هارون» نسبةُ نسبٍ أم تشبيه — كلّ ذلك لا يحسمه الإعراب وحده. وترى هذه القراءة أنّ الفراغ نفسه ذو دلالة: النصّ يترك الفاعلين غير معيّنين لأنّ الفاعل الحقيقي في مكان آخر.

قراءة أخلاقية اجتماعية. تُقرأ القصّة بوصفها خبر امرأة في مواجهة إدانة جماعية: الاتهام يجري عبر النسب، والدفاع يجري بالصمت وبإبراز الدليل. وتنقل هذه القراءة العفّة من باب الفضيلة الفردية إلى تسمية البهتان ظلمًا بنيويًّا (4:156).

قراءة عقدية. موضوع القصّة ليس مريم بل أمر «كن» (19:35، 3:47). والولادة مثالٌ على أنّ الخلق غير مقيَّد بالأسباب، ولذلك ترسو الحكاية على التوحيد في 19:34-36. وضعف هذه القراءة أنها قد تحجب فاعلية مريم نفسها: انتباذها، واستعاذتها، واعتراضها، وهزّها الجذع.

قراءة مقارِنة. يتكلّم النصّ من داخل الجدل حول عيسى فيردّ طرفًا صراحةً: ما كان لله أن يتّخذ من ولد (19:35). ويردّ في الوقت نفسه البهتان في الطرف المقابل (4:156). فالقصّة على هذه القراءة تقاتل على جبهتين: ضدّ التأليه وضدّ التشهير معًا.

وهذه القراءات لا يُقصي بعضها بعضًا؛ والنصّ يحتمل موادّها الأربع.

الحدّ الأمين

ما يقرّره النصّ صراحةً: انتباذ مريم واتّخاذها الحجاب (19:16، 19:17)؛ استعاذتها (19:18)؛ مضمون البشارة (19:19، 3:45)؛ اعتراضها ذو الشقّين (19:20، 3:47)؛ الحمل والمكان القصيّ (19:22)؛ المخاض وتمنّي الموت (19:23)؛ السريّ والرطب (19:24، 19:25)؛ الأمر بالصمت (19:26)؛ اتهام القوم والتخجيل بالنسب (19:27، 19:28)؛ الإشارة (19:29)؛ مضمون الجواب من المهد (19:30-33)؛ رسوّ الحكاية على التوحيد (19:34-36)؛ الإخبار بالاصطفاء والتطهير ثم الأمر بالعبادة (3:42، 3:43)؛ تسمية ما قيل عنها بهتانًا (4:156).

ما لم يقرّره النصّ ويبقى للاجتهاد: سنّ مريم؛ اسم المكان؛ أين «المكان الشرقيّ»؛ كم بَعُد «المكان القصيّ»؛ مَن المنادي في 19:24؛ أيّ هارون في 19:28؛ كم استغرق الحمل أو الصمت؛ مَن قومها وما صار إليه أمرهم؛ وكيف تكلّم رضيع من جهة الخِلقة.

ما ليست هذه المقالة: ليست خلاصة تفسير، ولا مناظرة كلامية، ولا مجموعة أحكام فقهية. ولم تُبحث هنا مسائل مثل حكم نذر الصمت اليوم، وطبيعة المعجزات، وسيرة عيسى بعد ذلك. وكلّ استنتاج أعلاه موسوم بعلامة *(قراءة)* وهو قابل للنقاش.

الخلاصة: قصّة مريم ليست خبر ولادة فحسب؛ إنّها خبر امرأة ولدت وهي تعلم أنّ أقسى ما يُقال سيُقال عنها، ثم حملت ولدها وخرجت به إلى قومها. والنصّ لا يجعل منها كائنًا خارقًا ولا يكتم صوتها: يدعها تقول إنّها تمنّت الموت، ويدعها تستعيذ، ويدعها تعترض، ويأمرها بالصمت، ثم يُظهر براءتها في النهاية. المرأة الوحيدة المسمّاة في القرآن تُذكَر بهذا: أنّ الاصطفاء لم يُعفِها من الألم، وأنّ البهتان لم يكن له القول الأخير.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات القرآن (تفسير الميسّر في النسخة العربية، وترجمة م. أوكويان في النسخة التركية). مقاربة قرآنية المرجع، فوق المذاهب، موثّقة.

الآيات ذات الصلة