← الأدلة

سليمان وملكة سبأ: السلطة والعقل والتسليم

سليمان وملكة سبأ: السلطة والعقل والتسليم

باختصار

تضع الآيات 27:15-44 سلطتين وجهًا لوجه: ملك جُمِعت له جنود من الجن والإنس والطير، وملكة "أوتيت من كل شيء". واللافت أن النهاية لا تُحسم بمعركة، بل بخبر يحمله طائر، ورسالة قصيرة، ومجلس مشورة، واختبارين صغيرين. عظمة سليمان لا تظهر في جيشه بل في أن صوت نملة صرفه إلى الشكر؛ وعظمة الملكة لا تظهر في قوتها العسكرية بل في رفضها أن تنفرد بالقرار، وفي اعترافها بالدليل حين رأته. فالمُختبَر في هذه القصة ليس السلطة نفسها، بل كيف تُمسَك السلطة في اليد.

الآيات ذات الصلة

  • 27:15 — أوتي داود وسليمان علمًا، فجعلاه سبب حمد لا سبب فخر.
  • 27:16 — يرث سليمان، فيُعلن ما عُلِّمه لا ما مَلَكه.
  • 27:17 — تُحشَر له جنوده من الجن والإنس والطير في نظام.
  • 27:18 — في وادي النمل تُحذِّر نملةٌ قومها.
  • 27:19 — يتبسم سليمان ويسأل التوفيق للشكر.
  • 27:20 — يتفقد الطير فيفتقد الهدهد.
  • 27:21 — يذكر العقوبة، لكنه يترك باب "السلطان المبين" مفتوحًا.
  • 27:22 — يعود الهدهد بخبر يقين.
  • 27:23 — امرأة تملك أهل سبأ ولها عرش عظيم.
  • 27:24 — هي وقومها يسجدون للشمس.
  • 27:26 — رب العرش العظيم هو الله وحده.
  • 27:27 — لا يحكم سليمان قبل التثبت.
  • 27:28 — تُرسَل الرسالة ويُنتظر الجواب.
  • 27:29 — تعرض الملكة الكتاب على ملئها.
  • 27:30 — الكتاب يُفتتح باسم الله.
  • 27:31 — شرطه جملة واحدة: لا تعلوا وأتوني مسلمين.
  • 27:32 — لا تقطع الملكة أمرًا دون مشورة.
  • 27:33 — يذكر الملأ قوتهم ثم يردون القرار إليها.
  • 27:34 — قراءتها للحرب: الملوك يفسدون القرية التي يدخلونها.
  • 27:35 — ترسل هديةً اختبارًا.
  • 27:36 — يرد سليمان الهدية.
  • 27:37 — ينذرهم بجنود لا قِبَل لهم بها.
  • 27:38 — يطلب إحضار عرشها.
  • 27:39 — يعرض عفريت من الجن السرعة.
  • 27:40 — يأتي به "الذي عنده علم من الكتاب"، فيقرأ سليمان الحدث اختبارًا لنفسه.
  • 27:41 — يُنكَّر لها عرشها.
  • 27:42 — تجيب الملكة بحذر دون ادعاء يقين.
  • 27:43 — صدّها ما كانت تعبد من دون الله.
  • 27:44 — الصرح الممرد من قوارير، ثم التسليم.

ملك ونملة وكلمة شكر

تبدأ القصة بميراث العلم لا بميراث السلطان، والجملة المشتركة بين النبيين حمدٌ لا فخر:

وَقَالَا ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

"ولقد آتينا داود وسليمان علمًا فعملا به، وقالا الحمد لله الذي فضَّلنا بهذا على كثير من عباده المؤمنين. وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع أهله." (27:15)

وحين يرث سليمان، فإن ما يعلنه على الناس هو ما عُلِّمه:

وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ

ثم يأتي استعراض الجنود، والملحوظ فيه النظام أكثر من الكثرة:

وَحُشِرَ لِسُلَيْمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ

"وجُمِع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير في مسيرة لهم، فهم على كثرتهم لم يكونوا مهمَلين، بل كان على كل جنس من يَرُدُّ أولهم على آخرهم؛ كي يقفوا جميعًا منتظمين." (27:17)

وهذا الجيش المنظَّم يقف في الطريق عند صوت نملة:

قَالَتْ نَمْلَةٌ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُوا۟ مَسَٰكِنَكُمْ

ودقة كلام النملة في العذر لا في الاتهام: "وهم لا يشعرون". أما ردّ سليمان فليس غضبًا ولا كِبرًا:

وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ

"حتى إذا بلغوا وادي النمل قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يهلكنَّكم سليمان وجنوده، وهم لا يعلمون بذلك. فتبسم ضاحكًا من قول هذه النملة لفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل، واستشعر نعمة الله عليه، فتوجَّه إليه داعيًا: ربِّ ألْهِمْني، ووفقني، أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ، وأن أعمل عملا صالحًا ترضاه مني، وأدخلني برحمتك في نعيم جنتك مع عبادك الصالحين الذين ارتضيت أعمالهم." (27:19)

(تفسير واستنتاج) هنا يضع النص أول اختبار للسلطة: هل يستطيع صوت أصغر الأطراف أن يوقف مسير أكبر الجيوش؟ دعاء سليمان ليس "زدني" بل "وفقني لأشكر ما أُعطيت". فالشكر في هذه القصة ليس مجاملة، بل قدرة تُطلب من الله.

خبر الهدهد: العلم لا يتبع المراتب

مشهد التفقد قصير وحازم:

وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ

ويصرّح سليمان باحتمال العقوبة (27:21)، لكنه يترك في الجملة نفسها بابًا: "بسلطان مبين". وحين يعود الهدهد لا يأتي بعذر بل بمعلومة:

وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍۭ بِنَبَإٍ يَقِينٍ

"فمكث الهدهد زمنًا غير بعيد ثم حضر فعاتبه سليمان على مغيبه وتخلُّفه، فقال له الهدهد: علمت ما لم تعلمه من الأمر على وجه الإحاطة، وجئتك من مدينة "سبأ" بـ "اليمن" بخبر خطير الشأن، وأنا على يقين منه." (27:22)

إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ

وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ

"وجدتُها هي وقومها يعبدون الشمس معرضين عن عبادة الله، وحسَّن لهم الشيطان أعمالهم السيئة التي كانوا يعملونها، فصرفهم عن الإيمان بالله وتوحيده، فهم لا يهتدون إلى الله وتوحيده وعبادته وحده." (27:24)

ولا يكتفي سليمان بتلقي الخبر، بل يشترط التثبت:

"قال سليمان للهدهد: سنتأمل فيما جئتنا به من الخبر أصدقت في ذلك أم كنت من الكاذبين فيه؟ اذهب بكتابي هذا إلى أهل "سبأ" فأعطهم إياه، ثم تنحَّ عنهم قريبًا منهم بحيث تسمع كلامهم، فتأمل ما يتردد بينهم من الكلام." (27:27)

(تفسير واستنتاج) تتراكم ثلاث ملاحظات. الأولى أن الطائر يعلم ما لا يعلمه الملك، فالعلم لا يسير مع تسلسل السلطة. والثانية أن سليمان يقيّد غضبه بإجراء: العقوبة ممكنة، لكن باب الدليل مفتوح. والثالثة أن الحكم لا يصدر قبل التحقق (27:27). وطوال القصة يبرز لا حجم سلطة سليمان، بل الطريقة التي يستعملها بها.

مجلس الملكة: "أفتوني في أمري"

الرسالة قصيرة وشرطها جملة واحدة:

أَلَّا تَعْلُوا۟ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ

وأول ما تفعله الملكة ليس الرد بل الاستشارة:

أَفْتُونِى فِىٓ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ

"قالت: يا أيها الأشراف أشيروا عليَّ في هذا الأمر، ما كنت لأفصل في أمر إلا بمحضركم ومشورتكم." (27:32)

وجواب الملأ لافت بدوره: يذكرون قوتهم ثم يردون القرار إليها:

نَحْنُ أُو۟لُوا۟ قُوَّةٍ وَأُو۟لُوا۟ بَأْسٍ شَدِيدٍ

(تفسير واستنتاج) هنا نضج من طرفين. حاكمة بيدها السلطة الكاملة تقول إنها لن تقطع أمرًا حتى يشهد مستشاروها؛ والملأ لا يحوّلون قوتهم العسكرية إلى مصادرة للقرار. يقدّم النص المشورة لا بوصفها ضعفًا بل بوصفها شرطًا لصحة القرار. وتنبيه لازم للأمانة: لفظ "الشورى" لا يرد في هذه الآيات أصلًا؛ إنما يُعبَّر عن المعنى بـ"أفتوني في أمري" و"حتى تشهدون" (انظر ملاحظة الجذور أدناه).

"إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها"

جملة الملكة عن الحرب هي أكثر ما يُقتبس من القصة:

إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا۟ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓا۟ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً

"قالت محذرةً لهم من مواجهة سليمان بالعداوة، ومبيِّنة لهم سوء مغبَّة القتال: إن الملوك إذا دخلوا بجيوشهم قريةً عنوةً وقهرًا خرَّبوها وصيَّروا أعزَّة أهلها أذلة، وقتلوا وأسروا، وهذه عادتهم المستمرة الثابتة لحمل الناس على أن يهابوهم. وإني مرسلة إلى سليمان وقومه بهديَّة مشتملة على نفائس الأموال أصانعه بها، ومنتظرة ما يرجع به الرسل." (27:34)

ثم لا تأتي حرب، بل يأتي اختبار:

وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌۢ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ

(تفسير واستنتاج) ليست هذه استسلامًا للقدر، بل تحليلًا سياسيًا: الجيوش لا تُصلح ما تدخله بل تفسده، وتجعل أعزّة أهله أذلة. تتكلم الملكة وهي تحسب الثمن الذي سيدفعه قومها. ومن اللافت أن النص لا يجعل سليمان يصحح تعميمها عن الملوك؛ الذي يصححه هو الظن بأن المطلوب مال.

ردّ الهدية

أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُم

"فلمَّا جاء رسول الملكة بالهديَّة إلى سليمان، قال مستنكرًا ذلك متحدثًا بأَنْعُمِ الله عليه: أتمدونني بمالٍ تَرْضيةً لي؟ فما أعطاني الله من النبوة والملك والأموال الكثيرة خير وأفضل مما أعطاكم، بل أنتم الذين تفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم؛ لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا ومكاثرة بها." (27:36)

جوابه حادّ: يقرأ الهدية محاولةَ استرضاء، ثم يذكّرهم بجيش لا طاقة لهم به (27:37).

(تفسير واستنتاج) يتضح منطق القصة هنا: المطلوب ليس جزية ولا خزائن، بل وجهة. فشرط الكتاب لم يكن "أرسلوا إليّ مالًا" بل "وأتوني مسلمين" (27:31). ولو قُبِلت الهدية لتحوّل الأمر إلى مساومة؛ وبردّها يبقى الأمر في موضعه.

العرش والصرح: اختباران صغيران

يطلب سليمان العرش:

أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى

ويعرض عفريت من الجن السرعة (27:39)، لكن الذي ينجز الأمر هو "الذي عنده علم من الكتاب". والجملة الحاسمة هي ما قاله سليمان عن نفسه حين رأى العرش:

هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ

"قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك بهذا العرش قبل ارتداد أجفانك إذا تحرَّكَتْ للنظر في شيء. فأذن له سليمان فدعا الله، فأتى بالعرش. فلما رآه سليمان حاضرًا لديه ثابتًا عنده قال: هذا مِن فضل ربي الذي خلقني وخلق الكون كله؛ ليختبرني: أأشكر بذلك اعترافًا بنعمته تعالى عليَّ أم أكفر بترك الشكر؟ ومن شكر لله على نعمه فإنَّ نَفْعَ ذلك يرجع إليه، ومن جحد النعمة وترك الشكر فإن ربي غني عن شكره، كريم يعم بخيره في الدنيا الشاكر والكافر، ثم يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة." (27:40)

ثم يُهيَّأ اختبار ثانٍ، هذه المرة للملكة:

نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِىٓ

وجوابها ليس إنكارًا ولا تسليمًا أعمى:

قَالَتْ كَأَنَّهُۥ هُوَ

وفي المشهد الأخير يتبين أن الأرض ليست ما بدت عليه:

رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

"قيل لها: ادخلي القصر، وكان صحنه مِن زجاج تحته ماء، فلما رأته ظنته ماء تتردد أمواجه، وكشفت عن ساقيها لتخوض الماء، فقال لها سليمان: إنه صحن أملس من زجاج صاف والماء تحته. فأدركت عظمة ملك سليمان، وقالت: رب إني ظلمت نفسي بما كنت عليه من الشرك، وانقدتُ متابعة لسليمان داخلة في دين رب العالمين أجمعين." (27:44)

(تفسير واستنتاج) الاختباران مرآة أحدهما للآخر. العرش المُحضَر يختبر سليمان: حين تقع في يده قدرة خارقة، أيقول "هذه قوتي" أم "هذا فضل يبتليني"؟ فقال الثانية (27:40). والعرش المُنكَّر يختبر الملكة: أتسارع إلى "نعم" أو "لا"، أم تقول بقدر ما رأت؟ وجوابها "كأنه هو" جواب يحفظ الفرق بين اليقين والمشابهة. والصرح الممرد هو الدرس نفسه مجسَّدًا: العين تُخطئ، ولا يصحّح الحكمَ إلا العلم. وتسليم الملكة ليس إعلان هزيمة بل محاسبة بعبارتها هي: "إني ظلمت نفسي"؛ والتسليم ليس لسليمان بل "لله رب العالمين".

ملاحظة الجذور والألفاظ

أعداد الورود أدناه محسوبة من فهرس الكلمات والجذور في قاعدة بيانات المشروع.

الجذراللفظ في القصةمجموع وروده في القرآن
و-ز-ع27:17 "يوزعون" · 27:19 "أوزعني"5 (27:17، 27:19، 27:83، 41:19، 46:15)
ه-د-ه-د27:20 "الهدهد"1 (في 27:20 فقط)
ن-م-ل27:18 "النمل / نملة"4 (ثلاثة في 27:18، وواحد في 3:119 بمعنى الأنامل)
ص-ر-ح27:44 "الصرح"4 (اثنان في 27:44، و28:38 و40:36 بمعنى البناء المرتفع)
ش-و-ر— (لا يرد في هذه القصة)4 (2:233، 3:159، 42:38 في المشاورة؛ 19:29 "فأشارت")
ه-د-ي27:35 و27:36 "هدية" · 27:41 "أتهتدي"316
ش-ك-ر27:19 و27:4075
س-ل-م27:31، 27:42، 27:44140
ع-ر-ش27:23، 27:26، 27:38، 27:41، 27:4233
ف-س-د27:34 "أفسدوها"50
ع-ز-ز / ذ-ل-ل27:34 "أعزة" / "أذلة"120 / 24

ملاحظتان:

  1. جذر و-ز-ع يرد في القصة مرتين وفي اتجاهين متقابلين: في 27:17 تُوزَع الجنود أي تُرتَّب، وفي 27:19 يسأل سليمان أن يُوزَع هو نفسه إلى الشكر. الفعل نفسه يضبط جيشًا في الخارج ونفسًا في الداخل.
  2. جذر ص-ر-ح لا يرد في القرآن إلا أربع مرات: اثنتان هنا في صرح سليمان، واثنتان في الصرح الذي أمر فرعون ببنائه (28:38، 40:36). أحدهما دعوى صعود إلى فوق، والآخر دعوة إلى الدخول.

ويُضاف إلى ذلك أن جذر ه-د-ي يظهر في الصفحة نفسها بمعنى "الهدية" (27:35، 27:36) وبمعنى "الاهتداء" (27:41)، وهو بعينه سؤال القصة: أهو مالٌ قادم أم وجهة؟

قراءات مختلفة

(تفسير واستنتاج) في القصة مواضع تحتمل أكثر من قراءة، والأمانة أن تُسمّى كلها.

  • كلام النملة. قراءة حرفية تأخذ الآية كما هي: نملة تكلمت وسليمان فهم، ويسندها قوله "عُلِّمنا منطق الطير" (27:16). وقراءة رمزية ترى أن السرد يبني استعارة في الحكم: حتى أصغر المخلوقات له صوت يلزم الحاكمَ سماعُه. والنص لا يُخرج إحداهما إخراجًا قاطعًا.
  • قول الملكة (27:34). قراءة تجعله قانونًا سياسيًا عامًّا: الفتح يفسد ما يدخله. وقراءة أخرى تجعله استنتاجًا من تجربتها؛ وجواب سليمان (27:36-37) لا يصدّق التعميم ولا يكذّبه، وإنما يقول إن المسألة ليست مالًا.
  • "علم من الكتاب" (27:40). قراءة تجعله مددًا إلهيًّا؛ وقراءة تتركه علمًا خاصًّا أُوتيه شخص لم يُسمَّ. والآية لا تذكر الاسم ولا الطريقة، وقد قُرئ عدم التسمية نفسه بأنه نقل للانتباه من "من فعل" إلى "من شكر".
  • مشهد الصرح. قراءة تجعله درسًا في أن البصر يُخطئ وأن الحكم لا يصح إلا بالعلم. وقراءة تجعله امتدادًا لمشهد تنكير العرش (27:41-42): تُتاح لها فرصتان للانخداع بالظاهر، وفي الاثنتين لا تتعجل الحكم.

الحد الأمين

ما يقوله النص صراحةً: أن سليمان أوتي علمًا وجعله سبب حمد (27:15)؛ وأن جنوده من الجن والإنس والطير (27:17)؛ وحادثة النملة ودعاء الشكر (27:18-19)؛ وخبر الهدهد عن سبأ (27:22-24)؛ واشتراط سليمان التثبت (27:27)؛ ومضمون الكتاب (27:30-31)؛ وطلب الملكة المشورة وجواب الملأ (27:32-33)؛ وقولها في الملوك وقرار الهدية (27:34-35)؛ وردّ الهدية (27:36)؛ وإحضار العرش وقراءة سليمان له اختبارًا (27:38-40)؛ وتنكير العرش وجوابها (27:41-42)؛ ومشهد الصرح وتسليمها (27:44).

ما لا يقوله النص: لا يذكر القرآن اسم الملكة؛ و"بلقيس" إنما يرد في التراجم بين قوسين شرحًا، ولفظ الآية "امرأة" (27:23). أما تاريخ الأحداث، وحدود مملكة سبأ، وتفاصيل إيصال الكتاب، والآلية التي نُقل بها العرش، وهوية "الذي عنده علم من الكتاب"، وسيرة الملكة بعد ذلك — فلا شيء منها في النص. والروايات التي تملأ هذه الفجوات خارجة عن القرآن، ولم تُستعمل في هذه المقالة.

ما يبقى اجتهادًا: طبيعة كلام النملة؛ وهل 27:34 قانون عام أم استنتاج من تجربة؛ وكم في مشهد الصرح من الدرس وكم منه من الحدث؛ وما مقدار الإلزام الذي يمكن استخراجه للشورى من هذه القصة. تترك هذه المقالة ذلك كله أسئلةً مفتوحة.

الخلاصة: تزن الآيات 27:15-44 حاكمَين بميزان واحد. فسليمان لا يُقاس بجيشه بل بأن صوت نملة صرفه إلى الشكر، وبأنه سمّى القدرة الخارقة "فضلًا يبتليه" (27:19، 27:40). والملكة لا تُقاس بقوتها بل برفضها الانفراد بالقرار، وبحسابها ثمن الحرب، وباعترافها بالدليل (27:32، 27:34، 27:44). وفي الختام لا يُهزم أحد أمام أحد: تقول إنها أسلمت لا لسليمان بل "لله رب العالمين". السلطة في هذا النص ليست مُلكًا، بل امتحان.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات القرآن الكريم (ترجمة م. أوكويان بالتركية، وتفسير الميسّر بالعربية) + kuranokuyan.com. مقاربة قرآنية المرجع، فوق المذاهب، موثّقة.

الآيات ذات الصلة