الكلم: التأثير المدرك بإحدى الحاستين، فالكلام: مدرك بحاسة السمع، والكلم: بحاسة البصر، وكلمته: جرحته جراحة بان تأثيرها، ولاجتماعهما في ذلك قال الشاعر: 397- والكلم الأصيل كأرغب الكلم الكلم الأول جمع كلمة، والثاني جراحات، والأرغب: الأوسع، وقال آخر: 398- وجرح اللسان كجرح اليد فالكلام يقع على الألفاظ المنظومة، وعلى المعاني التي تحتها مجموعة، وعند النحويين يقع على الجزء منه، اسما كان، أو فعلا، أو أداة. وعند كثير من المتكلمين لا يقع إلا على الجملة المركبة المفيدة، وهو أخص من القول، فإن القول يقع عندهم على المفردات، والكلمة تقع عندهم على كل واحد من الأنواع الثلاثة، وقد قيل بخلاف ذلك . قال تعالى: كبرت كلمة تخرج من أفواههم [الكهف/ 5]، وقوله: فتلقى آدم من ربه كلمات [البقرة/ 37] قيل: هي قوله: ربنا ظلمنا أنفسنا [الأعراف/ 23]. و# قال الحسن: هي قوله: «ألم بحسام سيفك أو لسانك وال %~% كلم الأصيل كأرغب الكلم ولو عن نثا جاءني غيره تخلقني بيدك؟ ألم تسكني جنتك؟ ألم تسجد لي ملائكتك؟ ألم تسبق رحمتك غضبك؟ أرأيت إن تبت أكنت معيدي إلى الجنة؟ قال: نعم» . وقيل: هي الأمانة المعروضة على السموات والأرض والجبال في قوله: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الآية [الأحزاب/ 72]، وقوله: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن [البقرة/ 124] قيل: هي الأشياء التي امتحن الله إبراهيم بها من ذبح ولده، والختان وغيرهما . وقوله لزكريا: أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله [آل عمران/ 39] قيل: هي كلمة التوحيد. وقيل: كتاب الله. وقيل: يعني به عيسى، وتسمية عيسى بكلمة في هذه الآية، وفي قوله: وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء/ 171] لكونه موجدا بكن المذكور في قوله: إن مثل عيسى [آل عمران/ 59] وقيل: لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله تعالى، وقيل: سمي به لما خصه الله تعالى به في صغره حيث قال وهو في مهده: إني عبد الله آتاني الكتاب الآية [مريم/ 30]، وقيل: سمي كلمة الله تعالى من حيث إنه صار نبيا كما سمي النبي (صلى الله عليه وسلم آله) ذكرا رسولا [الطلاق/ 10- 11] . وقوله: وتمت كلمة ربك الآية [الأنعام/ 115]. فالكلمة هاهنا القضية، فكل قضية تسمى كلمة سواء كان ذلك مقالا أو فعالا، ووصفها بالصدق، لأنه يقال: قول صدق، وفعل صدق، وقوله: وتمت كلمة ربك [الأنعام/ 115] إشارة إلى نحو قوله: اليوم أكملت لكم دينكم الآية [المائدة/ 3]، ونبه بذلك أنه لا تنسخ الشريعة بعد هذا، وقيل: إشارة إلى ما قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله تعالى القلم فقال له: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة» . وقيل: الكلمة هي القرآن، وتسميته بكلمة كتسميتهم القصيدة كلمة، فذكر أنها تتم وتبقى بحفظ الله تعالى إياها، فعبر عن ذلك بلفظ الماضي تنبيها أن ذلك في حكم الكائن، وإلى هذا المعنى من حفظ القرآن أشار بقوله: فإن يكفر بها هؤلاء الآية [الأنعام/ 89]، وقيل: عنى به ما وعد من الثواب والعقاب، وعلى ذلك قوله تعالى: بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين [الزمر/ 71]، وقوله: كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا الآية [يونس/ 33]، وقيل: عنى بالكلمات الآيات المعجزات التي اقترحوها، فنبه أن ما أرسل من الآيات تام وفيه بلاغ، وقوله: لا مبدل لكلماته [الأنعام/ 115] رد لقولهم: ائت بقرآن غير هذا الآية [يونس/ 15]، وقيل: أراد بكلمة ربك: أحكامه التي حكم بها وبين أنه شرع لعباده ما فيه بلاغ، وقوله: وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا [الأعراف/ 137] وهذه الكلمة فيما قيل هي قوله تعالى: ونريد أن نمن على الذين الآية [القصص/ 5]، وقوله: ولو لا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما [طه/ 129]، ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم [الشورى/ 14] فإشارة إلى ما سبق من حكمه الذي اقتضاه حكمته، وأنه لا تبديل لكلماته، وقوله تعالى: ويحق الله الحق بكلماته [يونس/ 82] أي: بحججه التي جعلها الله تعالى لكم عليهم سلطانا مبينا، أي: حجة قوية. وقوله: يريدون أن يبدلوا كلام الله [الفتح/ 15] هو إشارة إلى ما قال: فقل لن تخرجوا معي الآية [التوبة/ 83]، وذلك أن الله تعالى جعل قول هؤلاء المنافقين: ذرونا نتبعكم [الفتح/ 15] تبديلا لكلام الله تعالى، فنبه أن هؤلاء لا يفعلون وكيف يفعلون- وقد علم الله تعالى منهم أن لا يتأتى ذلك منهم-؟ وقد سبق بذلك حكمه. ومكالمة الله تعالى العبد على ضربين: أحدهما: في الدنيا. والثاني: في الآخرة. فما في الدنيا فعلى ما نبه عليه بقوله: ما كان لبشر أن يكلمه الله الآية [الشورى/ 51]، وما في الآخرة ثواب للمؤمنين وكرامة لهم تخفى علينا كيفيته، ونبه أنه يحرم ذلك على الكافرين بقوله: إن الذين يشترون بعهد الله [آل عمران/ 77]. وقوله: يحرفون الكلم عن مواضعه [النساء/ 46] جمع الكلمة، وقيل: إنهم كانوا يبدلون الألفاظ ويغيرونها، وقيل: إنه كان من جهة المعنى، وهو حمله على غير ما قصد به واقتضاه، وهذا أمثل القولين، فإن اللفظ إذا تداولته الألسنة واشتهر يصعب تبديله، وقوله: وقال الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية [البقرة/ 118] أي: لو لا يكلمنا الله مواجهة، وذلك نحو قوله: يسئلك أهل الكتاب إلى قوله: أرنا الله جهرة [النساء/ 153] .
Râgıb el-İsfahânî, el-Müfredât fî Garîbi'l-Kur'ân · OpenITI (CC BY-NC-SA 4.0)