السبح: المر السريع في الماء، وفي الهواء، يقال: سبح سبحا وسباحة، واستعير لمر النجوم في الفلك نحو: وكل في فلك يسبحون [الأنبياء/ 33]، ولجري الفرس نحو: والسابحات سبحا [النازعات/ 3]، ولسرعة الذهاب في العمل نحو: إن لك في النهار سبحا طويلا [المزمل/ 7]، والتسبيح: تنزيه الله تعالى. وأصله: المر السريع في عبادة الله تعالى، وجعل ذلك في فعل الخير كما جعل الإبعاد في الشر، فقيل: أبعده الله، وجعل التسبيح عاما في العبادات قولا كان، أو فعلا، أو نية، قال: فلو لا أنه كان من المسبحين [الصافات/ 143]، قيل: من المصلين ، والأولى أن يحمل على ثلاثتها، قال: ونحن نسبح بحمدك [البقرة/ 30]، وسبح بحمد ربك بالعشي [غافر/ 55]، فسبحه وأدبار وتجهل أيدينا ويحلم رأينا السجود [ق/ 40]، قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون [القلم/ 28]، أي: هلا تعبدونه وتشكرونه، وحمل ذلك على الاستثناء، وهو أن يقول: إن شاء الله، ويدل على ذلك قوله: إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون [القلم/ 17]، وقال: تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء/ 44]، فذلك نحو قوله: ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها [الرعد/ 15]، ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض [النحل/ 49]، فذلك يقتضي أن يكون تسبيحا على الحقيقة، وسجودا له على وجه لا نفقهه، بدلالة قوله: ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء/ 44]، ودلالة قوله: ومن فيهن [الإسراء/ 44]، بعد ذكر السموات والأرض، ولا يصح أن يكون تقديره: يسبح له من في السموات، ويسجد له من في الأرض، لأن هذا مما نفقهه، ولأنه محال أن يكون ذلك تقديره، ثم يعطف عليه بقوله: ومن فيهن والأشياء كلها تسبح له وتسجد، بعضها بالتسخير وبعضها بالاختيار، ولا خلاف أن السموات والأرض والدواب مسبحات بالتسخير، من حيث إن أحوالها تدل على حكمة الله تعالى، وإنما الخلاف في السموات والأرض هل تسبح باختيار؟ والآية تقتضي ذلك بما ذكرت من الدلالة، و(سبحان) أصله مصدر نحو: غفران، قال فسبحان الله حين تمسون [الروم/ 17]، وسبحانك لا علم لنا [البقرة/ 32]، وقول الشاعر: 224- سبحان من علقمة الفاخر قيل: تقديره سبحان علقمة على طريق التهكم، فزاد فيه (من) ردا إلى أصله ، وقيل: أراد سبحان الله من أجل علقمة، فحذف المضاف إليه. والسبوح القدوس من أسماء الله تعالى ، وليس في كلامهم فعول سواهما ، أقول لما جاءني فخره وقد يفتحان، نحو: كلوب وسمور، والسبحة: التسبيح، وقد يقال للخرزات التي بها يسبح: سبحة.
Râgıb el-İsfahânî, el-Müfredât fî Garîbi'l-Kur'ân · OpenITI (CC BY-NC-SA 4.0)